المقالات الإسلامية المتنوعة

الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ

بسم الله الرحمن الرحيم إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولـئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (174) أولـئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار (175) ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد (176) إن الذين يكتمون يجحدون ويخفون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا بالنسبة لما في الآخرة.نزلت في أحبار أهل الكتاب تندد بصنيعهم وتريهم جزاء كتمانهم الحق وبيعهم العلم الذي أخذ عليهم أن يبينوه ببعض خسيس من الدنيا يجحدون أمر النبي صلى الله عليه وسلم ودينه إرضاء للعوام حتى لا تقطع هداياهم وهباتهم المالية من سحت الدنيا وحتى يبقى لهم السلطان الروحي عليهم.وقد وصف الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في الكتابين ونعته فيهما وسماه فقال تعالى الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل الأعراف157 وقال ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد الصف6 والطائفتان أنكروا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.وكتم ما أنزل الله من الكتاب وهو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنكار نبوته وتبديل صفته ليست أسبابه منحصرة في الاشتراء بل الاشتراء بعض أسبابه.فكان أيضا لأمور أخرى منها البغي بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده البقرة90 ومنها الحسد لكونه من العرب لا منهم. ومنها طلب الرياسة وأن يستتبعوا أهل ملتهم. ومنها تحصيل أموالهم ورشاء ملوكهم وعوامهم.وفيه تحذيرا للمسلمين مما أحدثه اليهود في دينهم من تحريم بعض ما أحل الله لهم وتحليل بعض ما حرم الله عليهم؛ لأنهم كانوا إذا أرادوا التوسيع والتضييق تركوا أن يقرؤوا من كتابهم ما غيروا العمل بأحكامه كما قال تعالى تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا الأنعام91قال ابن عثيمين رحمه الله وهذا الوعيد على من جمع بين الأمرين يكتمون ويشترون؛ فأما من كتم بدون اشتراء؛ أو اشترى بدون كتم فإن الحكم فيه يختلف؛ إذا كتم بدون اشتراء فقد قال الله سبحانه وتعالى إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولـئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون البقرة159؛ وهذا يدل على أن كتمان ما أنزل الله من كبائر الذنوب؛ ولكن لا يستحق ما ذكر في الآية التي نحن بصدد تفسيرها؛ وأما الذين يشترون بما أنزل الله من الكتاب ثمنا قليلا بدون كتمان فقد قال الله تعالى من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولـئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون هود1516أولـئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار يجازون على ما اقترفوه من كتم ما أنزل الله والاشتراء به الثمن القليل بالنار. وأن ما اكتسبوه بهذه الأوصاف الذميمة مآله إلى النار. وعبر بالأكل لأنه أعظم منافع ما تصرف فيه الأموال. وذكر في بطونهم إما على سبيل التوكيد إذ معلوم أن الأكل لا يكون إلا في البطن فصار نظير قوله ولا طائر يطير بجناحيه الأنعام38 أو كناية عن ملء البطن. أو لرفع توهم المجاز إذ يقال أكل فلان ماله إذا جحده وإن لم يأكله.وجعل المأكول النار تسمية له بما يؤول إليه لأنه سبب النار وذلك كما يقولون أكل فلان الدم يريدون الدية.وتسمية الشيء بما يؤول إليه كثير ومن ذلك إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا النساء10 ومن ذلك الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم كما رواه مسلم عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه نارا من جهنم) وذكر في بطونهم تنبيها على شرهم وتقبيحا لتضييع أعظم النعم لأجل المطعوم الذي هو أحسن متناول قاله الراغب.ولا يكلمهم الله يوم القيامة لسخطه عليهم ولعنه لهم ويكون في نفي كلامه تعالى إياهم دلالة على الغضب عليهم ألا ترى أن من غضب على شخص صرمه وقطع كلامه لأن في التكلم ولو كان بشر تأنيسا ما والتفاتا إلى المكلم.وقيل جاء في القرآن ما ظاهره أنه يكلمهم كقوله تعالى فوربك لنسألنهم أجمعين الحجر92 والسؤال لا يكون إلا بالتكليم وقال قال اخسؤوا فيها ولا تكلمون المؤمنون108. فالمعنى لا يكلمهم كلام خير وإقبال وتحية وإنما يكلمهم كلاما يشق عليهم.ولا يزكيهم لا يطهرهم من دنس ذنوبهم لعدم رضاه عنهم وذلك إشعار لهم بأنهم صائرون إلى العذاب.وفيه أن يوم القيامة يزكى فيه الإنسان؛ وذلك بالثناء القولي والفعلي؛ فإن الله يقول لعبده المؤمن حين يقرره بذنوبه (سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم)؛ وأما الفعلي فإن علامة الثناء أنه يعطى كتابه بيمينه ويشهد الناس كلهم على أنه من المؤمنين؛ وهذه تزكية بلا شك.ولهم عذاب أليم فترتب على الكتمان واشتراء الثمن القليل هذه الأخبار الأربعة وانعطفت بالواو الجامعة لها.أولـئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى كتمان العلم؛ فإنه ضلال؛ وأما الهدى فهو بيان العلم ونشره وهذا في الدنيا والعذاب بالمغفرة النار بالجنة وهذا في الآخرة. وعموما من ملكته نفسه وأسره الهوى فقد اشترى الضلالة بالهدى.وفي لفظ اشتروا إشعار بإيثارهم الضلالة والعذاب لأن الإنسان لا يشتري إلا ما كان له فيه رغبة ومودة واختيار وذلك يدل على نهاية الخسارة وعدم النظر في العواقب.فما ما التعجبية كقوله تعالى قتل الإنسان ما أكفره عبس17 أصبرهم على النار قال ابن عثيمين والسؤال أهو تعجب من الله أم تعجيب منه؛ بمعنى يرشدنا إلى أن نتعجب وليس هو موصوفا بالعجب فقد اختلف فيه المفسرون؛ فمنهم من رأى أنه تعجب من الله عز وجل؛ لأنه المتكلم به هو الله؛ والكلام ينسب إلى من تكلم به؛ ولا مانع من ذلك لا عقلا ولا سمعا ــــ أي لا مانع يمنع من أن الله سبحانه وتعالى يعجب؛ وقد ثبت لله العجب بالكتاب والسنة؛ فقال الله تعالى في القرآن بل عجبت ويسخرون الصافات12 بضم التاء؛ وهذه القراءة سبعية ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ والتاء فاعل يعود على الله سبحانه وتعالى المتكلم؛ وعلى هذا فالعجب لله ثابت؛ فلا مانع من أن الله يعجب من صبرهم؛ فإذا قال قائل العجب يدل على أن المتعجب مباغت بما تعجب منه؛ وهذا يستلزم أن لا يكون عالما بالأمر من قبل وهو محال على الله؟فالجواب أن سبب العجب لا يختص بما ذكر؛ بل ربما يكون سببه الإنكار على الفاعل حيث خرج عن نظائره كما تقول عجبت من قوم جحدوا بآيات الله مع بيانها وظهورها؛ وهو بهذا المعنى قريب من معنى التوبيخ واللوم.ومن المفسرين من قال إن المراد بالعجب التعجيب؛ كأنه قال أعجب أيها المخاطب من صبرهم على النار؛ وهذا وإن كان له وجه لكنه خلاف ظاهر الآية.وقال ابن عاشور تعجيب من شدة صبرهم على عذاب النار ولما كان شأن التعجيب أن يكون ناشئا عن مشاهدة صبرهم على العذاب وهذا الصبر غير حاصل في وقت نزول هاته الآية بنى التعجيب على تنزيل غير الواقع منزلة الواقع لشدة استحضار السامع إياه بما وصف به من الصفات الماضية وهذا من طرق جعل المحقق الحصول في المستقبل بمنزلة الحاصل ومنه التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي وتنزيل المتخيل منزلة الشاهد.وقيل ظاهر التعجب أنه من صبرهم في الحال لا أنهم سيصبرون وبأن أهل النار قد يقع منهم الجزع. كمال قال تعالى ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون الزخرف77وقيل الصبر مجاز عن البقاء في النار أي ما أبقاهم في النار.وقيل ما استفهامية لا تعجبية وهو استفهام توبيخي والمعنى أي شيء صبرهم على النار حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل؟وقيل ما نافية والمعنى أن الله ما أصبرهم على النار أي ما يجعلهم يصبرون على العذاب.وفي الآيات بيان أن كتمان العلم أو بيانه لغرض من الدنيا من الضلال؛ وذلك لأنه جاهل بما يجب على العالم في علمه من النشر والتبليغ ولأنه جهل على نفسه حيث منعها هذا الخير العظيم في نشر العلم؛ لأن من أفضل الأعمال نشر العلم؛ فإن العلم ليس كالمال؛ المال يفنى؛ والعلم يبقى؛ أرأيت الآن في الصحابة رضي الله عنهم أناس أغنياء أكثر غنى من أبي هريرة رضي الله عنه وذكر أبي هريرة بين الخاص والعام الآن أكثر والثواب الذي يأتيه مما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث أكثر وأعظم؛ ثم أرأيت منزلة الإمام أحمد بن حنبل ونحوه من الأئمة مع من في عهدهم من الخلفاء والوزراء والأغنياء هل بقي ذكرهم كما بقي ذكر هؤلاء الأئمة؟!! فكتمان العلم لا شك أنه ضلالة في الإنسان وجهالة.وفيها أيضا أن نشر العلم وإظهاره وبيانه من أسباب المغفرة؛ لأنه جعل لهم العذاب في مقابلة الكتمان واختيارهم العذاب على المغفرة والضلالة على الهدى؛ فدل ذلك على أن نشر العلم من أسباب مغفرة الذنوب؛ كما أن الذنوب أيضا تحول بين الإنسان والعلم فكذلك كتم العلم يحول بين الإنسان والمغفرة.وقد استدل بعض العلماء بأن الذنوب تحول بين الإنسان والعلم بقوله تعالى إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما النساء105106؛ فقال تعالى لتحكم ثم قال تعالى واستغفر الله ؛ فدل هذا على أن الاستغفار من أسباب فتح العلم ــــ وهو ظاهر ــــ؛ وبقوله تعالى فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به المائدة13؛ لأن الذنوب ــــ والعياذ بالله ــــ رين على القلوب كما قال تعالى كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون المطففين14؛ فإذا كانت رينا عليها فإن الاستغفار يمحو هذا الرين وتبقى القلوب نيرة مدركة واعية. وكل هذا الذي توعد الله تعالى به هؤلاء الفسقة لأن الله جل شأنه نزل الكتاب بالحق مبينا فيه سبيل الهداية فقال ذلك العذاب الذي استحقوه بأن بسبب أن الله نزل الكتاب القرآن والتوراة والإنجيل وغيرها من الكتب التي أنزلها الله بالحق ما نزل به حق وأنه نازل من عند الله حقا .. فكتمانهم شيئا من الكتاب كتمان للحق وذلك فساد وتغيير لمراد الله؛ لأن ما يكتم من الحق يخلفه الباطل فحق عليهم العذاب لكتمانه لأنه مخالف مراد الله من تنزيله وإن الذين اختلفوا في الكتاب التوراة والإنجيل .. تكملة وصف الذين اشتروا الضلالة بالهدى ووعيدهم.وهذا الاختلاف يشمل الاختلاف في أصله فمنهم من آمن؛ ومنهم من كفر والاختلاف فيما بينهم أي فيما بين أحد الطرفين فمنهم من استقام في تأويله؛ ومنهم من حرف في تأويله على غير مراد الله سبحانه وتعالى.وهذا الاختلاف أيضا هو سبب اعتقاد كل طائفة أن كتابها هو الحق وأن غيره افتراء وقد كذبوا في ذلك فكتب الله يشبه بعضها بعضا ويصدق بعضها بعضا.  لفي شقاق تنازع وعداء حتى يكون صاحبه في شق ومنازعه في آخر بعيد يصعب إنهاؤه والوفاق بعده. وصدق الله فما زال اليهود والنصارى مختلفين متعادين إلى اليوم ثمرة اختلافهم في الحق الذي أنزله الله وأمرهم بالأخذ به فتركوه وأخذوا بالباطل فأثمر لهم الشقاق البعيد.وفيه التحذير من الاختلاف في القرآن الكريم لما يفضي إليه من العداء والشقاق البعيد بين المسلمين. جمع وترتيبد خالد سعد النجار  

مقالات عشوائية