الإيثار في القرآن الكريم
يعتبر الإيثار من محاسن الأخلاق الإسلامية فهو مرتبة عالية من مراتب البذل ومنزلة عظيمة من منازل العطاء لذا أثنى الله على أصحابه ومدح المتحلين به وبين أنهم المفلحون في الدنيا والآخرة.
قال الله تبارك وتعالى والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون الحشر 9.
قال الطبري يقول تعالى ذكره وهو يصف الأنصار والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين ويؤثرون على أنفسهم يقول ويعطون المهاجرين أموالهم إيثارا لهم بها على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة يقول ولو كان بهم حاجة وفاقة إلى ما آثروا به من أموالهم على أنفسهم.
وقال ابن كثير أي يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم ويبدؤون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك.
ويقول ابن تيمية وأما الإيثار مع الخصاصة فهو أكمل من مجرد التصدق مع المحبة فإنه ليس كل متصدق محبا مؤثرا ولا كل متصدق يكون به خصاصة بل قد يتصدق بما يحب مع اكتفائه ببعضه مع محبة لا تبلغ به الخصاصة.
وقال الله تعالى لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم آل عمران 92.
يعني لن تنالوا وتدركوا البر الذي هو اسم جامع للخيرات وهو الطريق الموصل إلى الجنة حتى تنفقوا مما تحبون من أطيب أموالكم وأزكاها. فإن النفقة من الطيب المحبوب للنفوس من أكبر الأدلة على سماحة النفس واتصافها بمكارم الأخلاق ورحمتها ورقتها ومن أدل الدلائل على محبة الله وتقديم محبته على محبة الأموال التي جبلت النفوس على قوة التعلق بها فمن آثر محبة الله على محبة نفسه فقد بلغ الذروة العليا من الكمال وكذلك من أنفق الطيبات وأحسن إلى عباد الله أحسن الله إليه ووفقه أعمالا وأخلاقا لا تحصل بدون هذه الحالة.
وقال تبارك وتعالى ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولـكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملآئكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسآئلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولـئك الذين صدقوا وأولـئك هم المتقون البقرة 177.
فبين الله تبارك وتعالى أن من البر بعد الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والأنبياء إطعام الطعام لمحتاجيه وبذله لمريديه مع حبه واشتهائه والرغبة فيه وقد جاء به الله تعالى أي إطعام الطعام بعد أركان الإيمان مباشرة وفي ذلك دلالة على عظمته وعلو منزلته.
قال ابن مسعود في قوله (على حبه) هو أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تأمل البقاء وتخشى الفقر.
وقال تعالى عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا الإنسان 69.
وقد اختلف في مرجع الضمير على حبه هل هو راجع على الطعام أم على الله تعالى؟ أي ويطعمون الطعام على حب الطعام؛ لقلته عندهم وحاجتهم إليه أم على حب الله رجاء ثواب الله؟
وقد رجح ابن كثير المعنى الأول وهو اختيار ابن جرير وساق الشواهد على ذلك كقوله وآتى المال على حبه البقرة177 وقوله لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون آل عمران 92.
والواقع أن الاستدلال الأول فيه ما في هذه الآية ولكن أقرب دليلا وأصرح قوله تعالى ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة الحشر 9.
وقال الله تبارك وتعالى وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا الإنسان 1213.
والمعنى وجزاهم بصبرهم على الإيثار وما يؤدي إليه من الجوع والعري بستانا فيه مأكل هنيء وحريرا فيه ملبس بهي.
مقالات عشوائية