أهمية الوفاء بالعهد في حياة المسلم
الخطبة الأولى الحمد لله الذي جعل الوفاء بالعهد من صفات الأنبياء والمرسلين ومن علامات المتقين الصادقين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المتصف بأعظم صفات الوفاء القائل في كتابه الكريم (وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون) البقرة 40.وأشهد أن محمدا عبدالله ورسوله فطره ربه على خلق الوفاء فكان خير البشرية بهذا الخلق الكريم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا. أما بعد فاتقوا الله أيها المؤمنون والمؤمنات واعلموا أن تقوى الله زاد المتقين (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) آل عمران 102.عباد الله سنقف وقفة هامة مع خلق من أخلاق الإسلام العظيمة وصفة من صفات الأنبياء الكرام وخصلة حميدة من خصال الإيمان.هذا الخلق الذي أمرنا به ربنا جل وعلا في كتابه العظيم وعلى لسان نبيه وحبيبه محمد سيد الأنبياء وقائد المرسلين صلى الله عليه وسلم هذا الخلق الذي فرط فيه كثير من المسلمين اليوم.إنه خلق الوفاء يا عباد الله؛ الذي هو صفة لازمة وخلق من أخلاق أصفيائه المتقين ذكره الله تعالى في كثير من آيات كتابه توجيها لعباده بأهميته وضرورته قال تعالى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام (وإبراهيم الذي وفى) النجم37 وقال عن إسماعيل عليه الصلاة والسلام (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا) مريم 54.وقال تعالى ذاكرا بعض صفات أهل الجنة المكرمين الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) المؤمنون 8.وقال جل وعلا في علامات المتقين الصادقين (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) البقرة 177.قال ابن كثير في تفسير قوله (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا) يعني تعالى ذكره والذين لا ينقضون عهد الله بعد المعاهدة, ولكن يوفون به ويتمونه على ما عاهدوا عليه من عاهدوه عليه. اهـ.وقال آمرا به عباده المؤمنين (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون) النحل 91.وقال تعالى (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا) الإسراء 34.وقال جل وعلا (الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق) الرعد 20.وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ما نقض قوم العهد إلا سلط عليهم عدوهم) (رواه الطبراني وصححه الألباني).وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن حسن العهد من الإيمان (رواه الطبراني وصححه الألباني).وعن أنس بن مالك قال ما خطبنا نبي الله صلى الله عليه وسلم إلا قال لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له (رواه أحمد وغيره وصححه الألباني).فالوفاء بالوعد أو العهد أدب رباني وخلق كريم وسلوك إسلامي نبيل.والوفاء بالعهد هو قيام المسلم بما التزم به؛ سواء كان قولا أم كتابة فإذا أبرم المسلم عقدا فيجب أن يحترمه وإذا أعطى عهدا فيجب أن يلتزم به.فالعهد لا بد من الوفاء به ومناط الوفاء أن يتعلق الأمر بخير أو معروف وإلا فلا وفاء بعهد في عصيان.عباد الله لقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في سائر مكارم الأخلاق ومن ذلك الوفاء بالعهد فكان صلى الله عليه وسلم يفي بعهده ولم يعرف عنه في حياته أنه نقض عهدا قطعه على نفسه.ودلائل وفاء النبي صلى الله عليه وسلم ما شهد له به أعداؤه بأنه يفي بالعهود ولا يغدر والحق ما شهدت به الأعداء فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال أخبرني أبو سفيان رضي الله عنه أن هرقل قال له سألتك ماذا يأمركم؟ فزعمت أنه يأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة قال وهذه صفة نبي (رواه البخاري).وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على صفة الوفاء بقوله المسلمون عند شروطهم (رواه أبو داود وصححه الألباني).وضرب لنا صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في الوفاء بالعهد ليحتذى به من بعده ومن ذلك ما رواه حذيفة بن اليمان (رضي الله عنه) قال ما منعني أن أشهد بدرا إلا أنى خرجت أنا وأبى حسيل قال فأخذنا كفار قريش قالوا إنكم تريدون محمدا فقلنا ما نريده ما نريد إلا المدينة. فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة وألا نقاتل معه فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه الخبر فقال انصرفا نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم (رواه مسلم).وبوب الإمام البخاري بابا إثم من قتل معاهدا بغير جرم وساق حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما.وعند أبي داود والنسائي من حديث أبي بكر بلفظ من قتل نفسا معاهدة بغير حلها حرم الله عليه الجنة؛ لأنه عاهده بذمة الله فيحرم عليه أن يخفر ذمة الله تعالى.عباد الله إن الوفاء ليس شعارا يرفع ولا كلمة تقال ولكنه خلق لا يتحقق إلا إذا أتى به المسلم في حياته وواقعه وتحمل في سبيله كل شيء.ومن أنواع العهود التي أمر الله جل وعلا عباده الوفاء بها عبادته وتوحيده وتعظيمه والإخلاص له والاستجابة لأمره ونهيه واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم والتمسك بدينه فإن فعل العبد ذلك كان وفيا بالعهد مع ربه قال تعالى (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) الأحزاب 23. ومن ذلك ما يكون بين المسلم ووالديه؛ من الوفاء ببرهما والإحسان إليهما وأداء حقهما وتقديمهما على كل ذي حق إلا حق الله جل وعلا.ومن العهود ما يكون بين الناس؛ من عهود الزواج وحقوق الجوار وحقوق الأخوة وغير ذلك.ومن العهود أيضا ما يكون بين الناس من الحقوق المالية في المعاملات والديون فإن أداءها وسدادها من آكد الحقوق قال تعالى (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا) الإسراء 34.ومن العهود التي يجب الوفاء بها حقوق العمال والمستأجرين فيجب على رب العمل أن يعطي العامل حقه كاملا في وقته وبقدره وأن لا يضايقه وأن لا يحمله على التنازل عن حقه؛ بل يوفيه استجابة لقوله صلى الله عليه وسلم أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه (رواه ابن ماجه وصححه الألباني).وجاء في الحديث القدسي أن الله تعالى يقول ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعط أجره ورجل باع حرا فأكل ثمنه (رواه مسلم).عباد الله إن الوفاء بالعهد والميثاق دليل عظيم على سماحة الإسلام وما قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما عقد معاهدة صلح الحديبية بينه وبين مشركي قريش والتزم فيها صلى الله عليه وسلم بالشروط التي كتبت فيها ووفى بها فلم يدخل مكة ورجع إلى المدينة حتى خالف هؤلاء المشركون تلك المعاهدة فنقضت وهذا أكبر دليل على وجوب الوفاء بالعهود.وكذا حينما عاهد صلى الله عليه وسلم اليهود وأمنهم على أنفسهم وأهليهم وأموالهم مقابل جزية يدفعونها للمسلمين ولم ينقض تلك المعاهدة حتى جاء الغدر منهم والخيانة ونقض الميثاق.وهذه الدولة المباركة بلاد الحرمين الشريفين حرسها الله التزمت جميع الاتفاقات الأمنية ووفت بالمعاهدات والمواثيق التي أبرمت بينها وبين الدول الأخرى للحفاظ على الأمن والاستقرار وما زالت تعمل جاهدة من أجل التمسك بسماحة الإسلام ونشره في مشارق الأرض ومغاربها.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون) النحل 91.بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول ما سمعتم فاستغفروا الله يغفر لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.الخطبة الثانيةالحمد لله على فضله وإحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله الداعي إلى جنته ورضوانه صلى الله عليه وآله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا. أما بعد فاتقوا الله جل وعلا واعلموا أن الجنة سلعتها غالية وتحتاج منا إلى نية طيبة وعمل صالح.عباد الله اعلموا أن الوفاء بالعهد سبب من أسباب دخول الجنة فقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم اضمنوا لي ستا أضمن لكم الجنة اصدقوا إذا حدثتم وأوفوا إذا وعدتم وغضوا أبصاركم وحصنوا فروجكم وكفوا أيديكم وأدوا إذا اؤتمنتم (رواه أحمد وابن حبان وصححه الألباني).لذا يجب على كل واحد منا التحلي بهذه الصفة الكريمة؛ لأنها دليل ظاهر على صدق الإيمان وخصلة من خصال المؤمنين الصالحين وهي أدب رباني جليل وخلق نبوي كريم وسلوك إسلامي حميد وقيمة أخلاقية وإنسانية عظيمة وبها تدعم الثقة بين أفراد الأسرة والمجتمع وتطمئن بها القلوب وتزكى بها النفوس وتنمو أواصر التعاون بين أفراد المجتمع فمن أعطى عهدا لله أو لعباده فقد أصبح مسئولا عن الوفاء به.فاحرصوا بارك الله فيكم على الوفاء؛ ففيه سلامة القلب والنماء وهو عنوان الظفر والفلاح في الدنيا والآخرة.وإياكم ونقض العهود وعدم الوفاء بها فهي علامة من علامات النفاق التي حذرنا منها رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد التحذير بقوله آية المنافق إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا اؤتمن خان وإذا خاصم فجر (رواه البخاري ومسلم).أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن يوفون بالعهد وأن يحفظ علينا وعليكم ديننا وعلماءنا وولاة أمرنا واجتماع كلمتنا إنه ولي ذلك والقادر عليه.هذا وصلوا وسلموا على الحبيب المصطفى فقد أمركم الله بذلك فقال جل من قائل عليما (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) الأحزاب56.
مقالات عشوائية