المقالات الإسلامية المتنوعة

الابتلاء بالنعمة

إن الإنسان منذ وجد على وجه الأرض وجرى عليه القلم في ابتلاء وفتنة فالابتلاء من سنن الله الجارية في الناس والأمم قال تعالى الذي خلق الـموت والـحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور الملك وقال سبحانه الـم 1 أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون 2 ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين العنكبوت فكان لا بد أن يمتحن الناس ويبتلوا حتى يبدو للمرء من نفسه ما لم يكن يعلم فقد يظن المرء أنه يبتغي وجه الله تعالى في عمله ودعوته فإذا ابتلي بمن ينافسه وينازعه بان له أن في دعوته وعمله حظا لنفسه كذلك يميز به الله الكاذب من الصادق والخبيث من الطيب والشقي من السعيد قال تعالى ما كان الله ليذر الـمؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الـخبيث من الطيب آل عمران 179.وقد يعتقد البعض أن الابتلاء هو بالمحن والشدائد وحدها وليس الأمر كذلك فابتلاء الله تعالى لعباده في هذه الحياة الدنيا شامل للخير والشر فكما يكون بالشدائد والمصاعب فإنه كذلك يكون بالخيرات والنعم قال تعالى وبلوناهم بالـحسنات والسيئات لعلهم يرجعون الأعراف 168 وقال تعالى واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم الأنفال 28 فلا شك أن الولد والمال نعمة وخير إلا إن كثيرا من المسلمين في غفلة عن أن ما هم فيه من نعمة هو في الواقع فتنة واختبار. قال تعالى كل نفس ذائقة الـموت ونبلوكم بالشر والـخير فتنة وإلينا ترجعون الأنبياء 35 قال ابن كثير أي نختبركم بالمصائب تارة وبالنعم أخرى لننظر من يشكر ومن يكفر ومن يصبر ومن يقنط. وعن ابن عباس قال نبتليكم بالشر والخير فتنة وبالشدة والرخاء والصحة والسقم والغنى والفقر والحلال والحرام والطاعة والمعصية والهدى والضلال. وقد بين صلى الله عليه وسلم  أن المسلم في جميع أحواله من خير وشر لا ينفك عن الابتلاء فوجب عليه مع النعمة الشكر ومع المصيبة الصبر فعن صهيب بن سنان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له (صحيح مسلم).إن نعم الله تعالى على عبيده ليست دليل محبة أو إكرام كما يعتقد بعض الناس فيستدل بما من الله به عليه من خير على حب الله له ثم على صلاح طريقته وفلاح منهجه. وليس في النعمة ما زعم فهي ابتلاء من الله تعالى للعبد يظهر بها شكر الشكور وكفر الكفور فقدر المرء عند ربه لا يتعلق بقدر ما حصل من عرض الدنيا ولا يستدل بالمنع أو العطاء في الدنيا على رضا الله أو سخطه على العبد فالدنيا أقل من أن تكون محل جزاء للطائع بالنعم ولا عقاب للعاصي بالنقم وإلا لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم  أكثر الناس عرضا في الدنيا كذلك الصحابة الكرام والتابعون لهن بإحسان. قال تعالى فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن 15 وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن 16 كلا بل لا تكرمون اليتيم الفجر 15 17 أي ليس كل من وسعت عليه يكون ذلك إكراما مني له ولا كل من ضيق عليه وابتلي يكون إهانة له وإنما يعطي ربنا ويمنع ليختبر عباده.إن الابتلاء بالسراء والنعمة أشد وطأة وأعظم خطرا من الابتلاء بالضراء والشدة ذلك لأن ابتلاء النعمة خفي لا ينتبه له إلا من وفقه الله تعالى فإلف النعمة يورث الغفلة فينسي شكرها ويقصر في الحفاظ عليها فهو يأتي على حين غفلة من العبد أنه في ابتلاء هذا بخلاف الابتلاء بالشدة فهو موقظ للعبد. قال تعالى فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا الأنعام 43 كذلك من ابتلي بالنعمة قد يستعين بها على المعصية فالأبواب أمامه مفتحة على الخير والشر على حد سوء. ولا حيلة لمن ابتلي بالشدة إلا الصبر وإلا فقضاء الله نافذ مع صبره أو جزعه فكان الصبر حيلة المؤمن الفطن. لذلك ترى كثيرا ممن ابتلاهم الله تعالى بالمصائب يصبرون وتجد القليل ممن يتقلب في الخير يشكرون فيعملون به في طاعة الله ومرضاته لأجل هذا وغيره كان الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر. فالبعض ممن يصبرون على الابتلاء بالمرض قد لا يشكرون فضل الله ونعمته حال الصحة قال تعالى فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون الزمر 49 والبعض ممن يصبرون على الفقر والحرمان قد لا يشكرون عند الثراء قال تعالى كلا إن الإنسان ليطغى 6 أن رآه استغنى العلق . فوجب أن تكون مراقبة النفس حال النعمة والخير أشد من مراقبتها حال الشدة والشر.ولقد دلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  على خطورة الابتلاء بالنعمة صراحة في حديث أبي عبيدة لما قدم بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدومه فوافوا صلاة الفجر مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما انصرف تعرضوا له فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم  حين رآهم ثم قال أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء قالوا أجل يا رسول الله. قال فأبشروا وأملوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم (صحيح البخاري) فرسول الله يخاف  علينا مما نحب من توارد النعم وكثرة المال ويأمن علينا مما نكره من الشدة والفقر ذلك بسبب شدة البلاء بالنعمة وكثرة الزلل فيه على خلاف البلاء بالشدة فهو أقل خطرا لما يجد المرء ممن يقوي عزمه ويشد على يديه أن اصبر واحتسب.إن الابتلاء بالنعمة يستوجب الشكر من العبد لربه فشكر النعمة هو سبب حفظها وزيادتها قال تعالى وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد إبراهيم . والشكر يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح. شكر القلب أن يعلم أن نعم الله على العباد تترى لا تعد ولا تحصى قال تعالى وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إبراهيم 34 وأن يعلم أن ما به من نعمة فمن الله وحده قال تعالى وما بكم من نعمة فمن الله النحل 53. وشكر اللسان وهو إظهار الشكر لله بالتحميد. وشكر الجوارح باستعمال نعم الله في طاعته.فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم  عندما فتح الله عليه مكة البلد الحرام ومكنه الله من أهلها دخلها مطأطئ الرأس إخباتا لله عز وجل حتى إن كادت لحيته لتمس واسطة رحله شكرا لله على نعمة التمكين وفي حديث أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم  كان إذا أتاه أمر يسره أو بشر به خر ساجدا شكرا لله (سنن ابن ماجه) وهذا نبي الله سليمان حين سمع النملة تحذر قومها الهلاك بسبب سليمان وجنوده وترشدهم أن يدخلوا مساكنهم فاستشعر نعمة الله عليه فسأل ربه التوفيق للشكر. قال تعالى فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالـحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالـحين النمل 19. ولما جاءه عرش ملكة سبأ من اليمن إلى الشام في طرفة عين قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم النمل 40.أما الجحود والنكران لنعم الله عز وجل فهو باب لزوال هذه النعم عن أصحابها في الدنيا والعذاب الشديد يوم القيامة. فانظر إلى هؤلاء النفر من بني إسرائيل ابتلاهم الله عز وجل بالنعمة فجحد اثنان فهلكا وشكر الأخير فكان من السعداء قال صلى الله عليه وسلم إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى أراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكا فأتى الأبرص فقال أي شيء أحب إليك؟ قال لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قد قذرني الناس؛ فمسحه فذهب عنه قذره وأعطي لونا حسنا. فقال فأي المال أحب إليك؟ قال الإبل أو قال البقر شك الراوي فأعطي ناقة عشراء فقال بارك الله لك فيها. فأتى الأقرع فقال أي شيء أحب إليك؟ قال شعر حسن ويذهب عني هذا الذي قذرني الناس؛ فمسحه فذهب عنه وأعطي شعرا حسنا. قال فأي المال أحب إليك؟ قال البقر فأعطي بقرة حاملا وقال بارك الله لك فيها. فأتى الأعمى فقال أي شيء أحب إليك؟ قال أن يرد الله إلي بصري فأبصر الناس؛ فمسحه فرد الله إليه بصره. قال فأي المال أحب إليك؟ قال الغنم فأعطي شاة والدا فأنتج هذان وولد هذا فكان لهذا واد من الإبل ولهذا واد من البقر ولهذا واد من الغنم. ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ به في سفري فقال الحقوق كثيرة. فقال كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا فأعطاك الله؟ فقال إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر فقال إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت. وأتى الأقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا ورد عليه مثل ما رد هذا فقال إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت. وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال رجل مسكين وابن سبيل انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري؟ فقال قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري فخذ ما شئت ودع ما شئت فوالله ما أجهدك اليوم بشيء أخذته لله. فقال أمسك مالك فإنما ابتليتم. فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك (متفق عليه).إن الابتلاء علامة حب من الله لعبده إذ هي كالدواء فإنه وإن كان مرا إلا إنك تحرص عليه وإن لم تجد ثمنه فهو باب لتحصيل الثواب والأجر ولمغفرة الذنوب وستر الخطايا فعن أنس رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط (سنن الترمذي) وقال الحسن البصري رحمه الله لا تكرهوا البلايا الواقعة والنقمات الحادثة فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك ولرب أمر تؤثره فيه عطبك. وقال الفضل بن سهل إن في العلل لنعما لا ينبغي للعاقل أن يجهلها فهي تمحيص للذنوب وتعرض لثواب الصبر وإيقاظ من الغفلة وتذكير بالنعمة في حال الصحة واستدعاء للتوبة وحض على الصدقة (الفرج بعد الشدة للتنوخي).الكاتب د. عمرو محمد الكمار

مقالات عشوائية