لقد حجرت واسعا (1)
بسم الله الرحمن الرحيمعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة وقمنا معه فقال أعرابي وهو في الصلاة اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا. فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي لقد حجرت واسعا يريد رحمة الله (1).رحمة الله جائزة الطائعين ومرجع التائبين وملاذ المسرفين من القنوط من عفو رب العالمين.. إنها الغيث الذي تنبت به القلوب المؤمنة والنور الذي يضيء الطرق الحالكة والغيض الذي بلغ المؤمن غاية رشده والفيض الذي تعجز الأقلام عن وصف حده فرحمة الله تعالى تفيض على عباده جميعا وتسعهم جميعا وبها يقوم وجودهم وتقوم حياتهم وهي تتجلى في كل لحظة من لحظات كيانهم وفي جميع حركاتهم وسكناتهم. قال تعالى ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكـاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الأعراف156 وقال تعالى نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم الحجر49.حكي أن الصحابة رضوان الله عليهم تذاكروا القرآن فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه قرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أر فيه آية أرجى وأحسن من قوله تبارك وتعالى قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا الإسراء84 فإنه لا يشاكل بالعبد إلا العصيان ولا يشاكل بالرب إلا الغفران.وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أر فيه آية أرجى وأحسن من قوله تعالى حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير غافر13 قدم غفران الذنوب على قبول التوبة وفي هذا إشارة للمؤمنين.وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه عنه قرأت جميع القرآن من أوله إلى آخره فلم أر آية أحسن وأرجى من قوله تعالى نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم الحجر49.وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه قرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أر آية أحسن وأرجى من قوله تعالى قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم الزمر53.قلت أي القرطبي وقرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أر آية أحسن وأرجى من قوله تعالى الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون الأنعام82 (2)وقال تعالى وربك الغني ذو الرحمة الأنعام133 وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا الكهف58 وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم الأنعام54 كتب على نفسه الرحمة الأنعام12أي وعد بها فضلا منه وكرما فلذلك أمهل. وذكر النفس هنا عبارة عن وجوده وتأكيد وعده وارتفاع الوسائط دونه ومعنى الكلام الاستعطاف منه تعالى للمتولين عنه إلى الإقبال إليه وإخبار منه سبحانه بأنه رحيم بعباده لا يعجل عليهم بالعقوبة ويقبل منهم الإنابة والتوبة.فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده إن رحمتي تغلب غضبي (3) أي لما أظهر قضاءه وأبرزه لمن شاء أظهر كتابا في اللوح المحفوظ ــ أو فيما شاءه ــ مقتضاه خبر حق ووعد صدق إن رحمتي تغلب غضبي أي تسبقه وتزيد عليه (4)وقال تعالى قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم الزمر53.. فعن ابن عباس رضي الله عنه أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزل والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما الفرقان6870 ونزلت قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله (5)وعن ابن عمر عن عمر رضي الله عنهما قال لما اجتمعنا على الهجرة اتعدت أنا وهشام بن العاص بن وائل السهمي وعياش بن أبي ربيعة بن عتبة فقلنا الموعد أضاة بني غفار وقلنا من تأخر منا فقد حبس فليمض صاحبه فأصبحت أنا وعياش ابن عتبة وحبس عنا هشام وإذا به قد فتن فافتتن فكنا نقول بالمدينة هؤلاء قد عرفوا الله عز وجل وآمنوا برسوله صلى الله عليه وسلم ثم افتتنوا لبلاء لحقهم لا نرى لهم توبة وكانوا هم أيضا يقولون هذا في أنفسهم فأنزل الله عز وجل في كتابه قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إلى قوله تعالى أليس في جهنم مثوى للمتكبرين قال عمر فكتبتها بيدي ثم بعثتها إلى هشام قال هشام فلما قدمت علي خرجت بها إلى ذي طوى فقلت اللهم فهمنيها فعرفت أنها نزلت فينا فرجعت فجلست على بعيري فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم (6)ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) رواه البخاري ــ كتاب الأدب برقم 5551 (2) تفسير القرطبي ج 10 ص 322 (3) مسلم ــ كتاب التوبة برقم 4941 (4) تفسير القرطبي ج 6 ص 395 (5) البخاري ــ كتاب تفسير القرآن برقم 4436(6) تفسير القرطبي ج 15 ص 267 ورواه الحاكم ج2 ص 435 وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ج6 ص 61 رواه البزار ورجاله ثقات
مقالات عشوائية