جرعات دواء القلوب - (9) النظرة الثاقبة
فضل التفكرهي عبادة جليلة وجرعة ثمينة ذات شأن عظيم إلا أنها للأسف ضمرت واضمحلت في هذا الزمان حتى كادت تنسى وسط زحمة الحياة المضطربة وذلك على الرغم من نجاحها في العلاج وقوتها في التأثير لكنها تحتاج إلى سكينة نفس قد لا يملكها الكثيرون وفراغ وقتي وعقلي ورقي روحي يشكو من ندرته المشغولون وما أقل من اعتبر وما أندر من اتعظ وادكر. واسمعوا قول أطباء القلوب قال ابن القيم وهو يتكلم عنفضل التفكر وشرفه وأنه من أفضل أعمال القلب وأنفعها له؛ حتى قيل تفكر ساعة خير من عبادة سنة فالفكر هو الذي ينقل من موت الفطنة إلى حياة اليقظة ومن المكاره إلى المحاب ومن الرغبة والحرص إلى الزهد والقناعة ومن سجن الدنيا إلى فضاء الاخرة ومن ضيق الجهل إلى سعة العلم ورحبه ومن مرض الشهوة والإخلاد إلى هذه الدار إلى شفاء الإنابة إلى الله والتجافي عن دار الغرور ومن مصيبة العمى والصمم والبكم إلى نعمة البصر والسمع والفهم عن الله والعقل عنه ومن أمراض الشبهات إلى برد اليقين وثلج الصدور وبالجملة؛ فأصل كل طاعة إنما هي الفكر وكذلك أصل كل معصية إنما يحدث من جانب الفكرة. ولأثره الناجح في علاج القلب من أدوائه جزم ابن عطاء ما نفع القلب مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة.وتابعهما الغزالي في سرد فضائل التفكر والإشادة به فقال ولا يخفى أن الفكر هو مفتاح الأنوار ومبدأ الاستبصار وهو شبكة العلوم ومصيدة المعارف والفهوم وأكثر الناس قد عرفوا فضله ورتبته؛ لكن جهلوا حقيقته وثمرته ومصدره ومورده ومجراه ومسرحه وطريقه وكيفيته.اللهم لا تجعلنا من أكثر هؤلاء الناس ونحن لا نعلم!!ولدوره العظيم ومكانته الرفيعة بين سائر العبادات؛ جعله سعيد بن المسيب هو العبادة. قال مالك سمعت يحيى بن سعيد يقول أول من صلى في المسجد بين الظهر والعصر عبد الملك بن مروان وفتيان معه كانوا إذا صلى الإمام الظهر قاموا فصلوا إلى العصر فقيل لسعيد بن المسيب لو قمنا فصلينا كما يصلي هؤلاء فقال سعيد ليست العبادة بكثرة الصلاة ولا الصوم إنما العبادة التفكر في أمر الله والورع عن محارم الله.وسبب آخر لشرف التفكر وفضله وهو قول الإمام ابن القيم لأن الفكرة عمل القلب والعبادة عمل الجوارح والقلب أشرف من الجوارح فكان عمله أشرف من عمل الجوارح. فلكل عضو من أعضاء الجسد عمل ويقوم بدور وينشغل بوظيفة فإن كانت عيون المتقين تبكي؛ فإن قلوبهم تتفكر. قال أبو سليمان الداراني عودوا أعينكم البكاء وقلوبكم التفكر.من أجل ذلك عده خامس الخلفاء ودرة الأمراء عمر بن عبد العزيز أفضل أنواع العبادات فقال الفكرة في نعم الله عز وجل من أفضل العبادة.ولفضله كانت أكثر عبادة أبي ذر فعن محمد بن واسع أن رجلا من أهل البصرة ركب إلى أم ذر بعد موت أبي ذر فسألها عن عبادة أبي ذر فقالت كان نهاره أجمع في ناحية البيت يتفكر.ومن ثمرات التفكر أن الفكرة تلد الفكرة ثم الفكرة تلو الفكرة وهلم جرا وتوالد الأفكار بالاتفاق هو منبع الحكمة. قال الحسن إن أهل العقل لم يزالوا يعودون بالذكر على الفكر وبالفكر على الذكر حتى استنطقوا قلوبهم؛ فنطقت بالحكمة ومن كلام الشافعي استعينوا على الكلام بالصمت وعلى الاستنباط بالفكرة. ومن ثمراته التوبة لأن من تفكر فقد صنع مفتاحا مباركا يفتح به باب الرحمة الإلهية ليدخل بإذن الله ساحة الغفران مأجورا مرحوما لأنه يتفكر في ذنوبه وجرائمه التي ارتكبها في حق نفسه وحق ربه ويدرك عندها العواقب ويزداد يقينا بالجزاء فيبكي ويقلع ويتوب. قال سفيان بن عيينة التفكر مفتاح الرحمة ألا ترى أنه يتفكر فيتوب. لذا كانت مجالس التفكر أشهى مجالس المؤمنين وأحلى لحظات العاقلين. قال يحيى بن معاذ الرازي وقد سئل أي مجلس أشهى و ألذ؟ قال الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد تشم من رائحة المعرفة وتسقى من كأس المحبة سبحان الله ما ألذه من مجلس! وأعذبه من شراب!.أول طريق النبوةمع سن السابعة والثلاثين بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم ينطلق إلى غار حراء بعد أن حبب الله تعالى إليه الخلوة فيه فكان يخلو بنفسه شهر رمضان يتحنث حتى فاجئه الوحي بعد ثلاث سنوات ليلقي على قلبه اقرأ باسم ربك الذي خلق العلق1 فما هو هذا الغار؟ وأين موقعه؟ ولماذا كان اختيار الله سبحانه وتعالى له؟ وما نوع التحنث الذي كان يقوم به النبي صلى الله عليه وسلم في الغار؟ وما هي الحكمة المستفادة والدرس العملي من وراء ذلك؟! يقع غار حراء في جبل النور وهو غار ضيق يتسع لبضعة رجال يصلون فيه ويجلسون وموقع الغار يشير إلى حكمة الله البالغة في اختياره ليكون مكان خلوة الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة فهو بعيد عن كفار مكة وأصنامها وبعيد عن مجالس اللهو وإفسادها وشواغل الدنيا وإلهائها وضجة الحياة وصخبها وهموم الناس الصغيرة وتفاهاتها.ومن جهة أخرى فإنه يشرف على الكعبة المشرفة؛ كأنه يربط قلب محمد صلى الله عليه وسلم بأطهر بقعة على وجه الأرض ويأخذ به إلى عالم التوحيد الخالص لله رب العالمين من خلال عبادة التفكر وقد حقق الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هذا الترابط الوثيق بينه وبين الكعبة فكان أول ما يفعله بعد تركه للغار هو الطواف بالبيت ثم يرجع إلى بيته ليختم فترة طوافه القلبي وهو التفكر بطواف جسده حول الكعبة ليجتمع له مع صفاء القلب طهارة القالب.وغار حراء يشرف كذلك على جبال مكة؛ التي تبدو للناظر إليها من الغار لأول وهلة وكأنها راكعة ساجدة لخالق هذا الكون العظيم ليلقي هذا المشهد في النفس رهبة يرتجف لها القلب تبجيلا وتوقيرا للخالق سبحانه ويجدد مشاعر التقديس والتعظيم للحق سبحانه ويثير في الشعور الإحساس بالقدرة الإلهية الفائقة في هذا الوجود. وفي هذا الجو الساكن الهادئ وبين حنايا هذا الموقع الفريد صفا قلب محمد صلى الله عليه وسلم وتحررت روحه من عالم الشهادة إلى عالم الغيب وتهيأ قلبه لاستقبال وحي السماء وتلقى بذور النبوة وتباشير الرسالة وكأن المنح الإلهية والأعطيات الربانية لا توزع بالمجان ولا تتنزل إلا قلب صفا بالتفكر وسما بطول التأمل.أنواع التفكر الخمسة1. التفكر في الآخرة وأول التفكر العلم والمقصود به العلم بأحوال الآخرة وأهوال القيامة وصفة الصراط وساحة العرض يوم الحشر ورهبة الموقف يوم الفزع وعذاب النار ونعيم الجنة لكن أنى لرجل أن يتفكر في مجهول لا يعلم عنه شيئا؟! إنها الحياة بروحك في أحداث المستقبل القريب وتفاصيل الغيب الرهيب ومن عاش فيها اليوم متفكرا في هذه الأحداث كانت عليه غدا بردا وسلاما ومن لم تمر على خاطره اليوم فوجئ بهولها يوم أن يلقاها.إن برنامج أي رحلة ترفيهية في هذه الدنيا قد يناسبك فتشترك فيها أو لا تشترك لكن الأمر مع هذه الرحلة الإجبارية مختلف فلا مجال للاختيار والبرنامج ثابت لا يتغير وأحداثها جسام تحتاج إلى عزائم رجال.وقد أعاننا على تصور الموقف وتخيله ابن القيم رحمه الله في مشهد تصويري رهيب ليوم القيامة ووقائعه وهو يكاد يكون ثلاثي الأبعاد لدقته وشديد الوقع على القلب لصدقه وجدته فإذا صحت فكرته أوجبت له البصيرة فهي نور في القلب يبصر به الوعد والوعيد والجنة والنار وما أعد الله في هذه لأوليائه وفي هذه لأعدائه فأبصر الناس وقد خرجوا من قبورهم مهطعين لدعوة الحق وقد نزلت ملائكة السماوات فأحاطت بهم وقد جاء الله وقد نصب كرسيه لفصل القضاء وقد أشرقت الأرض بنوره ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقد نصب الميزان وتطايرت الصحف واجتمعت الخصوم وتعلق كل غريم بغريمه ولاح الحوض وأكوابه عن كثب وكثر العطاش وقل الوارد ونصب الجسر للعبور ولاذ الناس إليه وقسمت الأنوار دون ظلمته للعبور عليه والنار يحطم بعضها بعضا تحته والمتساقطون فيها أضعاف أضعاف الناجين فينفتح في قلبه عين يرى بها ذلك ويقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة يريه الآخرة ودوامها والدنيا وسرعة انقضائها. وقد كان التفكر في الآخرة يأخذ وقتا طويلا عند أنقياء القلوب أصفياء النفوس؛ حتى قدم بعضهم عبادة التفكر على عبادة قيام الليل فعن يوسف بن أسباط قال لي سفيان بعد العشاء ناولني المطهرة الإناء الذي يتوضأ به فناولته فأخذها بيمينه ووضع يساره على يده فبقي مفكرا ونمت ثم قمت وقت الفجر فإذا المطهرة في يده كما هي فقلت هذا الفجر قد طلع فقال لم أزل منذ ناولتني المطهرة أتفكر في الساعة!!.وهذا التأمل يتناول الرحلة الأخروية بتفاصيلها وجميع مراحلها ولذا قال عبد الله بن المبارك يوما لسهل بن عدي وقد رآه ساكتا متفكرا أين بلغت؟ قال الصراط!.2. التفكر في عظمة الخلق قال عطاء انطلقت يوما أنا وعبيد بن عمير إلى عائشة رضي الله عنها فكلمتنا وبيننا وبينها حجاب فقالت يا عبيد ما يمنعك من زيارتنا؟ قال قول رسول الله صلى الله عليه وسلم زر غبا؛ تزدد حبا (البحر الزخار 9381) . قال ابن عمير فأخبرينا بأعجب شيء رأيتيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فبكت وقالت كل أمره كان عجبا أتاني في ليلتي ثم قال ذريني أتعبد لربي عز وجل فقام إلى القربة فتوضأ منها ثم قام يصلي فبكى حتى بل لحيته ثم سجد حتى بل الأرض ثم اضطجع على جنبه حتى أتاه بلال يؤذنه بصلاة الصبح فقال يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال لقد أنزلت علي الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتدبر فيها إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب آل عمران 190 (صحيح الترغيب 1468). وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها كل ليلة كلما قام لصلاة الليل أجل كل ليلةوكأنه يستشعر أن الكون كله بسماواته وأرضه وليله ونهارة قام في هذا الوقت من الليل يسبح الله ويذكره وما هو بصلاته إلا متناغم مع الطبيعة سائر في ذات الركب.وهذا التفكر في بديع صنع الله له ثمرة ما بعدها ثمرة وأثر يمحو كل أثر ألا وهو الوقاية من الذنوب في المستقبل لأنه يلقي في النفس تعظيم الخالق ويبعث في النفس المهابة منه والوجل يقول بشر بن الحارث لو تفكر الناس في عظمة الله ما عصوا الله عز وجل. ولأثره العظيم ودوره المدهش تعجب إقبال غاية التعجب ممن لم يجل بنظره في الكون ولم يعط نفسه حظها من هذا المعين الإيماني العذب ولم يطعم روحه هذا المطعم الشهي فانطلق يقرركل ما في الكون من بحر وبر لوح تعليم لأرباب النظرأيها المقصود من قول انظروا كيف في آفاقها لا تنظرإن إدامة النظر في عظمة هذا الكون كاف لإزالة مرض الشك في القلب وحسم الصراع النفسي مع الشيطان إن وجد وزيادة اليقين بالخالق وزرع التواضع لله في النفس والخضوع لأمره وينزع كذلك فتيل الإعجاب المهلك قبل أن ينفجر مخلفا الهلاك والدمار وكل هذا دون حاجة إلى إطالة واعظ أو براعة خطيب وهو ما ترجمه شوقي شعرا فقال تلك الطبيعة قف بنا يا ساري حتى أريك بديع صنع الباريالأرض حولك والسماء اهتزتا لروائع الآيات والآثارمن كل ناطقة الجلال كأنها أم الكتاب على لسان القاريدلت على ملك الملوك فلم تدع لأدلة الفقهاء والأحبارمن شك فيه فنظرة في صنعه تمحو عظيم الشك والآثارإن تكرار النظر في اللوحة الجميلة يوما بعد يوم قد يفقد الإنسان الإحساس بروعتها ويعمي الأبصار عن آيات الجمال فيها لكن تنوع الألوان وتعدد أنواع الجمال في الكون كفيل بإزالة أي سآمة أو ملل.قل للجنين يعيـش معـزولا بـلا راع ومرعى ما الذي يرعاكـا؟قل للوليد بكى وأجهـش بالبكـاء عند الـولادة ما الـذي أبكاكـا ؟وإذا ترى الثعبان ينفـث سمـه فاسأله من ذا بالسموم حشاكـا؟واسأله كيف تعيش يا ثعبـان أو تحيا وهذا السـم يمـلأ فاكـا؟واسأل بطون النحل كيف تقاطرت شهدا وقل للشهد مـن حلاكـا؟بل سائل اللبن المصفى كان بين دم وفرث مـن الـذي صفاكـا؟وإذا رأيت الحي يخرج من ثنايـا ميـت فاسألـه مـن أحيـاكـا؟قل للهواء تحسه الأيدي ويخفـى عن عيون الناس مـن أخفاكـا؟وإذا رأيت البدر يسـري ناشـرا أنواره فاسألـه مـن أسراكـا؟وإذا رأيت النخل مشقوق النـوى فاسأله من يا نخل شق نواكـا؟وإذا رأيت النـار شـب لهيبهـا فاسأل لهيب النار مـن أوراكـا؟وإذا ترى الجبل الأشم مناطحـا قمم السحاب فسله من أرساكـا؟وإذا ترى صخرا تفجـر بالميـاه فسله من بالماء شـق صفاكـا؟وإذا رأيت النهر بالعـذب الـزلال جرى فسله مـن الـذي أجراكـا؟وإذا رأيت البحر بالملح الأجـاج طغى فسله مـن الـذي أطغاكـا؟وإذا رأيت الليـل يغشـى داجيـا فاسأله من يا ليل حـاك دجاكـا؟وإذا رأيت الصبح يسفر ضاحيـا فاسأله من يا صبح صاغ ضحاكا؟هذي العجائب طالما أخـذت بهـا عينـاك وانفتحـت بهـا أذناكـاوالله في كـل العجائـب مبـدع إن لم تكن لتـراه فهـو يراكـا3. التفكر في عيوب النفس قال الفضيل مبينا هذه الثمرة من ثمرات التفكر الفكر مرآة تريك حسناتك وسيئاتك.إنها ليست تربية الزهاد والعباد فحسب بل تربية الأمراء وتهذيب الخلفاء كذلك على مكارم الأخلاق وفضائل الخصال فقد كان الخليفة أبو جعفر المنصور يقول لابنه المهدي أمير المؤمنين يا أبا عبد الله!! إذا أردت أمرا ففكر فيه فإن فكرة العاقل مرآته تريه حسنه وسيئه.والتفكر في النفس يشمل التفكر في عيوبها ونقائصها والتفتيش عن مواضع الفجور فيها ولا يمكن عمل أي تقويم أو تصحيح وتحسين إلا بعد هذا التفكر الصادق وما أكثر الصفات السيئة التي قد يبتلى بها المرء غضوب. . حاد الطبع. . عجول. . عصبي. . جبان. . ظلوم. . معتدي. . بصير بعيوب غيره. . أعمى عن عيوب نفسه. . يفتري الكذب. . يقع في أعراض الخلق. . وهكذا.إنها جلسات التفكر اليومية والمحاسبة الدورية؛ تنظر فيها إلى المرآة الإيمانية لترى الصورة نفسك على حقيقتها دون تزييف أو تزيين في غيبة من خديعة الناس لك بثنائهم عليك؛ إذ لا يرون غير ظاهرك وخديعتك أنت لنفسك أن ترى حسناتها دون سيئاتها وتنظر إلى من هو أدنى منك دينا وخلقا ولا يتم هذا الاستشفاء إلا في لحظة مكاشفة ومصارحة لمن أراد الله له الخير والعافية. 4. التفكر في عواقب الأموروهو تفكر أوجبه الله على عباده قبل القيام بأي عمل يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد الحشر من الآية18 وهو توطئة لعمل الخير أو الشر كما قال ابن عباس التفكر في الخير يدعو إلى العمل به والندم على الشر يدعو إلى تركه.قال ابن القيم شارحا مستفيضا إذا فكر في عواقب الأمور وتجاوز فكره مبادئها وضعها مواضعها وعلم مراتبها فإذا ورد عليه وارد الذنب والشهوة فتجاوز فكره لذة وفرح النفس به إلى سوء عاقبته وما يترتب عليه من الألم والحزن الذي لا يقاوم تلك اللذة والفرحة ومن فكر في ذلك فإنه لا يكاد يقدم عليه. وكذلك إذا ورد على قلبه وارد الراحة والدعة والكسل والتقاعد عن مشقة الطاعات وتعبها؛ حتى عبر بفكره إلى ما يترتب عليها من اللذات والخيرات والأفراح التي تغمر تلك الآلام في مبادئها بالنسبة إلى كمال عواقبها وكلما غاص فكره في ذلك اشتد طلبه لها وسهل عليه معاناتها واستقبلها بنشاط وقوة وعزيمة . بل حتى وإن كان العمل صالحا وخرج من دائرة السوء فلابد لك من التفكر في النية فيه والغرض من ورائه حتى لا يشوبه رياء محبط أو عجب مهلك وحتى إن برئ القلب من هذه الآفات كان من النافع له غاية النفع أن يتفكر تفكرا يدفعه إلى تعديد نواياه الصالحة ومضاعفتها حتى يضاعف الله له أجره في مقابل هذا أضعافا مضاعفة.5. التفكر في كل ما حولك ولنا خير قدوة وأعظم أسوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم بموقفين أستشهد بهما على سبيل المثال لا الاستقصاء الأول مشهد سباق إبل!!عن أنس رضي الله عنه قال كانت ناقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم تسمى العضباء وكانت لا تسبق فجاء أعرابي على قعود له فسبقها فاشتد ذلك على المسلمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن حقا على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه (صحيح النسائي 3590). وماذا يستفيد المرء من سباق ومرح وتنافس وفرح؟! لكن قلب النبي صلى الله عليه وسلم ليس أي قلب لذا وسط هذا الموقف يقتنص قلبه صلى الله عليه وسلم هذا الدرس البليغ ويربط الحدث العابر بالحكمة الدائمة والدرس الخالد إنه التفكر الذي ينظر في أحداث الحياة اليومية بمنظار دقيق وعدسة مكبرة فيرى ما وراء الحدث وينظر إليه بروحه لا بعينه ويبصر بقلبه مع بصره وكلما سمت روح المرء وطهر قلبه رأى ما لا يراه الآخرون وانتفع بما حرم منه الغافلون متربصا بكل حادث يربطه بربه ويوصله إليه.الثاني مشهد امرأة مرضع!!عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها تسعى إذ وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ فقلنا لا وهي تقدر على أن لا تطرحه فقال الله أرحم بعباده من هذه بولدها.(صحيح النسائي 5999).وانتفع ابن الجوزي بهذين الموقفين وغيرهما من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ثم خرج بما يلي لو صفت لك فكرة كان لك في كل شيء عبرة كل المخلوقات بين مخوف ومشوق حر الصيف يذكر حر جهنم وبرد الشتاء محذر من زمهريرها والخريف ينبه على اجتناء ثمار الأعمار والربيع يحث على طلب العيش الصافي.وعاش رجالات السلف الصالح هذه المواقف وبرهنوا على صدق اتباعهم لنبيهم واقعا عمليا ومواقف يومية فهذا عطاء السلمي نسج ثوبا فأحكمه وحسنه ثم حمله إلى السوق فعرضه فاسترخصه البزاز (الخياط) وقال إن فيه عيوبا كيت وكيت فأخذه عطاء وجلس يبكي بكاء شديدا فندم الرجل على ذلك وجعل يعتذر إليه ويبذل له في ثمنه ما يريد فقال عطاء ليس ذلك ما تظن؛ إنما أنا عامل في هذه الصناعة وقد اجتهدت في إصلاح هذا الثوب وإصلاحه وتحسينه حتى لا يوجد به عيب فلما عرض على البصير بعيوبه أظهر فيه عيوبا كنت عنها غافلا فكيف أعمالنا هذه إذا عرضت غدا على الله سبحانه؟! كم يبدو فيها من العيوب والنقصان؟!.وهذا هشام الدستوائي لا يطفئ السراج إلى الصبح ويقول إذا رأيت الظلمة ذكرت ظلمة القبر!!.وكان بعض السلف إذا شرب الماء البارد في الصيف بكى وتذكر أمنية أهل النار حينما يشتهون الماء وينادون أهل الجنة أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم اللـه الأعراف من الآية 50.وصب على رأس بعض الصالحين ماء فوجده شديد الحر فبكى وقال ذكرت قوله تعالى يصب من فوق رءوسهم الحميم الحج من الآية19.وأحد الصالحين يمشي ذات يوم فوجد رجلا يشوي لحما فبكى فقال له الرجل ما يبكيك؟ أو محتاج إلى اللحم؟! قال لا إنما أبكي على ابن آدم يدخل الحيوان النار ميتا وابن آدم يدخلها حيا.وطفل مبارك يعلم الكبار رأى أهله يوقدون نارا للطعام فلما نظر إليها جعل يبكي فقالوا له لماذا تبكي؟ قال وجدتكم تبدؤون بصغار الحطب قبل كباره.وكان البعوض إذا وقع على ظهر إبراهيم العجلي وكتفه فيتأذى منه ثم يقول لنفسه وأنت تأذى من حسيس بعوضة فللنار أشقى ساكنين وأوجع.ونختم بموقف الحسن البصري الذي حضر مجلسا جمع شيوخا وشبابا فقال معشر الشيوخ.. ما يصنع بالزرع إذا طاب. قالوا يحصد ثم التفت فقال معشر الشباب! كم من زرع لم يبلغ قد أدركته الآفة فأهلكته وأتت عليه الجائحة فأتلفته ثم بكي وتلا ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون إبراهيم25. 6. التفكر في الدنيا عن أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز أنه بكى يوما بين أصحابه فسئل عن ذلك فقال فكرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها فاعتبرت منها بها ما تكاد شهواتنا تنقضي حتى تكدرها مرارتها ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر إن فيها مواعظ لمن ادكر. إن على الحلاوة أن لا تنسيك المرارة بمعنى أن حلاوة أيام عليها ألا تنسيك مرارة أعوام فالدنيا إن سرتك أحيانا أبكتك كثيرا وصدق من قالنصبت لنا الدنيا زخارف حسنها مكرا بنا وطبيعة ما غيرتوهي التي لم تحل قط لذائق إلا تغير طعمها وتمررتخداعة بجمالها إن أقبلت فجاعة بزوالها إن أدبرتوهابة سلابة لهباتها طلابة لخراب ما قد عمرتوإذا بنت قصرا لصاحب ثروة نصبت مجانقها عليه فدمرتوهذا ما يحيي في قلبك الزهد فيها والتهيؤ لما بعد الموت والاستعداد للرقدة الكبرى في روضة جنة أو حفرة نار هي عما قريب قبرك.7. التفكر في أحوال الأمة روى ابن الجزري عن أبي عبد الله الحافظ أن الروم الأسبان لما استولوا على إشبيلية سنة ست وأربعين وستمائة هال صوت الناقوس وخرس الأذان أبا الحسن علي بن جابر الدباج اللخمي الأشبيلي فما زال يتأسف ويضطرب إلى أن قضى نحبه بعد أيام رحمه الله وقد عاش ثمانين سنة.وإن كان نصيب أبا الحسن من هزيمة المسلمين وانكسار الأمة هو الألم والحسرة القاتلة؛ إلا أن الإمام البنا تجاوزهما إلى العمل والحركة نعم كان يبكي الليالي الطوال لكنها الدموع التي تحولت إلى طاقة عمل هائلة جابت ربوع القطر المصري؛ حتى أثمرت جهوده نشر دعوته في أرجاء الأرض من الصين حيث الحكم الشيوعي الحاقد إلى أمريكا حيث الشيطان الاستعماري المارد ووصولا إلى أدغال أفريقيا وأطراف روسيا.يقول الإمام البنا عن نفسه وهو يصف تفكره المثمر النافع ليس يعلم إلا الله كم من الليالي كنا نقضيها نستعرض حال الأمة وما وصلت إليه في مختلف مظاهر حياتها ونحلل العلل والأدواء ونفكر في العلاج وحسم الداء ويفيض بنا التأثر لما وصلنا إليه إلى حد البكاء. كثير من مسلمي اليوم تطاولوا في بنيان القول حتى غدت أقوالهم قصورا شامخات بينما أفعالهم أنقاض وحطام لا ترى فيها عوجا ولا أمتا وكم ناصرنا إخواننا المستضعفين في أرجاء الأرض بالثرثرة والزفرات وبكائيات اللسانمع أن أفعالنا تعين عليهم وتبطش بهم حتى صدق فينا قول الشاعرنبني من الأقوال قصرا شامخا والفعل دون الشامخات ركام8. التفكر في نعم الله وأجل وأعظم وأشرف هذه النعم نعمة الإسلام فعن زبدة أخت بشر بن الحارث قالت دخل بشر علي ليلة من الليالي فوضع إحدى رجليه داخل الدار والأخرى خارج الدار وبقي كذلك يتفكر حتى أصبح فلما أصبح قلت له في ماذا تفكرت طول الليلة؟! قال تفكرت في بشر النصراني وبشر اليهودي وبشر المجوسي ونفسي واسمي بشر فقلت ما الذي سبق منك حتى خصك؟! فتفكرت في تفضله علي وحمدته علي أن جعلني من خاصته وألبسني لباس أحبائه.وإلا إذا لم تنشغل بالفكر النافع غزاك الفكر الهادم الضار قال ابن القيم فأنفع الدواء أن تشغل نفسك بالفكر فيما يعنيك دون مالا يعنيك فالفكر فيما لا يعني باب كل شر ومن فكر فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه واشتغل عن أنفع الأشياء له بما لا منفعة له فيه فالفكر والخواطر والإرادة والهمة أحق شيء بإصلاحه من نفسك فإن هذه خاصتك وحقيقتك التي تبتعد بها أو تقرب من إلهك ومعبودك؛ الذي لا سعادة لك إلا في قربه ورضاه عنك وكل الشقاء في بعدك عنه وسخطه عليك ومن كان في خواطره ومجالات فكره دنيئا خسيسا لم يكن في سائر أمره إلا كذلك وإياك أن تمكن الشيطان من بيت أفكارك وإرادتك فإنه يفسدها عليك فسادا يصعب تداركه ويلقي إليك أنواع الوساوس والأفكار المضرة ويحول بينك وبين الفكر فيما ينفعك وأنت الذي أعنته على نفسك بتمكينه من قلبك وخواطرك فملكها عليك.شروط الانتفاع بالتفكرالتحرر من قيود الدنيا المقعدة ساعة من الزمن لأن الفكر في الدنيا حجاب عن الآخرة وعقوبة لأهل الولاية والفكر في الآخرة يورث الحكمة ويحيي القلوب. تخير أوقات التفكر المباركة كما تخيرها الخليل إبراهيم عليه السلام عند حلول الليل وظهور الكواكب وبزوغ القمر وشروق الشمس؛ فإنها أوقات لا تضيع يجب أن يكون لك فيها من هذه العبادة نصيب.التماس أماكن الهدوء والسكون والبعد عن مصادر الجلبة والمشوشات. التريث وعدم الاستعجال وذلك بالفراغ من شغل البدن قبل البدء في شغل الروح. ثمرة الفكركما أنه ليس المراد من السحابة الأمطار وإنما وجود الأثمار فكذلك ليس المراد من التفكر إلا العمل ولذلك قال وهب ما طالت فكرة امرئ قط إلا علم وما علم امرؤ قط إلا عمل.وكل من لم يخرج من عبادة التفكر بمزيد من العمل فإن تفكره ضائع ضائع وستظل كلمات هذا الفصل كلام منابر وحبرا يملؤ الأوراق ما لم يتحول إلى طاقة حركة ودفقة عمل وبهذا كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز مبرزا هذه القاعدة اعلم أن التفكر يدعو إلى الخير والعمل به والندم على الشر يدعو إلى تركه.
مقالات عشوائية