من آيات الربا في القرآن من سورة البقرة قول الله تعالى: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (275) يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم (276) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (277) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (278) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (279) وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون (280)﴾ [البقرة: 275-280]
رأيت أن من المناسب للتعليق على هذه الآية أن أقسم هذا التعليق إلى فقرات كل فقرة بعنوان، وذلك حسب تسلسل الآية نفسها .
آخر آية نزلت في القرآنروى البخاري[1] قول ابن عباس: هذه آخر آية نزلت على النبي ﷺ. فقال جبريل: ضعها على رأس مائتين وثمانين آية من سورة البقرة.
وعاش بعدها رسول الله ﷺ أحداً وعشرين يوماً. وقال ابن جريج: تسع ليال. وقال سعيد بن جبير: سبع ليال. ومات يوم الاثنين لليلتين خلنا من شهر ربيع الأول.
وقيل: ثلاث ساعات[2].
معنى “يأكلون” في الآيةالأكل: المراد به الكسب والأخذ والفعل. وقد خص بالذكر لأنه من المقاصد الضرورية الأولى للإنسان في المال، فهو أهم توابع الكسب، فأقيم الأكل مقام الكسب كله، وإن كان يدخل في هذا الكسب أيضاً: اللباس والسكنى والادخار والإنفاق على العيال والصدقات …
تفسير “لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان”القيام أي من القبور، قاله ابن عباس ومجاهد وابن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي وابن زيد. ومما يقوي هذا التأويل قراءة ابن مسعود: “لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم ….” أي بزيادة “يوم القيامة” إلى الآية .
وذهب ابن عطية إلى أن هذا القيام يكون في الدنيا، ويعرف من حال القائم بحرص وجشع إلى تجارة الربا، فالطمع والرغبة يستفزانه حتى تضطرب أعضاؤه. وضعف القرطبي هذا التأويل مستعيناً بقراءة ابن مسعود، كما مر .
غير أن صاحب تفسير المنار[3] رأى أن (المتبادر إلى جميع الأفهام ما قال ابن عطية، لأنه إذا ذكر القيام انصرف إلى النهوض المعهود في الأعمال، ولا قرينة تدل على أن المراد به البعث). ثم ضعف الروايات المخالفة، وذكر قول الإمام أحمد : (قلما يصح في التفسير شيء). ثم قال: (أما ما قاله ابن عطية فهو ظاهر في نفسه، فإن أولئك الذين فتنهم المال واستعبدهم، حتى ضريت (= تعلقت ) نفوسهم بجمعه، وجعلوه مقصوداً لذاته، وتركوا لأجل الكسب به جميع موارد الكسب الطبيعي، تخرج نفوسهم عن الاعتدال الذي عليه أكثر الناس. ويظهر ذلك في حركاتهم وتقلبهم في أعمالهم، كما تراه في حركات المولعين بأعمال البورصة[4] والمغرمين بالقمار، يزيد فيهم النشاط والانهماك في أعمالهم، حتى يكون خفة تعقبها حركات غير منتظمة …..).
ثم حاول الجمع بين قول ابن عطية والجمهور فقال: (ذلك بأنه إذا كان ما شنع به على المرابين من خروج حركاتهم عن النظام المألوف هو أثر اضطراب نفوسهم وتغير أخلاقهم، كان لا بد أن يبعثوا عليه، فإن المرء يبعث على ما مات عليه، لأنه يموت على ما عاش عليه).
وبهذا يتحصل في القيام ثلاثة أقوال: الأول في الدنيا، والثاني في الآخرة، والثالث في كليهما معاً، وإني أميل إلى هذا القول الأخير، والله أعلم بصحته.
التخبط والمس والجنون كعقاب لآكل الربامعنى التخبطالتخبط: هو الضرب على غير استواء، كخبط البعير الأرض بيده. ويقال للذي يتصرف في أمره ولا يهتدي فيه، إنه يخبِطُ خبط عشواء. وتخبطه الشيطان: إذا مسه بِخَبَل أو جنون، وتسمى إصابة الشيطان خبطة[5]. فجعل هذه العلامة لأكلة الربا، وذلك أن الله تعالى أرباه في بطونهم فأثقلهم، فهم إذا خرجوا من قبورهم يقومون ويسقطون والناس يمشون عليهم .
وقد يكون التخبط في الدنيا كما مر في القيام، أو في كليهما معاً.
تعريف ومعنى المسالمس: الجنون، والممسوس: المجنون. قال الراغب في مفردات القرآن: (والمس يقال في كل ما ينال الإنسان من أذى، نحو قوله ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ﴾ [البقرة: 80] ، و﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ [البقرة: 214]، و﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ﴾ [القمر: 48]، ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: 83]، ﴿ مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ [ص: 41]…) إلخ .
وذكر القرطبي أن العلماء جميعاً اتفقوا على أن أكل الربا يبعث كالمجنون عقوبة له، وتعقيباً عند جميع أهل المحشر.
وفي حديث الإسراء: فانطلق بي جبريل، فمررت برجال كثير، كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم، متصدين على سائلة آل فرعون، وآل فرعون يعرضون على النار بكرة وعشياً، فيقبلون مثل الإبل المهيومة[6]، يتخبطون الحجارة والشجر، لا يسمعون ولا يعقلون. فإذا أحس بهم أصحاب تلك البطون قامواء فتميل بهم بطونهم، مصرعون، ثم يقوم أحدهم، فيميل به بطنه، فيصرع فلا يستطيعون براحاً (= تحولاً ) حتى يغشاهم آل فرعون، فيطؤونهم مقبلين ومديرين، فذلك عذابهم في البرزخ بين الدنيا والآخرة، وآل فرعون يقولون: اللهم لا تقم الساعة أبداً فإن الله تعالى يقول : ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46] . قلت: يا جريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس)[7].
هذا والقيام والتخبط والمس أحوال مترابطة، تكون في القيامة، أو في الدنيا، وربما في كليهما معاً، والله أعلم .
الفرق بين البيع والرباقوله: (قالوا: إنما البيع مثل الربا…) فيه التفرقة بين البيع والربا.
تحليل أقوال المشركينمراد المشركين من قولهم أحد احتمالين :
(أ) إذا كان الربا حراماً فيجب أن يكون البيع حراماً أيضاً، فهذا نظير هذا، ففي كل منهما زيادة[8]. وعلى هذا الاحتمال يكون التشبيه على وجهه، فالبيع هو المشبه والربا هو المشبه به والزيادة هي وجه التشبيه.
(ب) إذا كان البيع حلالاً، فيجب أن يكون الربا حلالاً أيضاً، بل إن الربا واضح الحلية، حتى إننا نشبه البيع بالربا، ولا تشبه الربا بالبيع كقولك : القمر كوجه ليلى، مبالغة في جمالها. على هذا الاحتمال يكون التشبيه مقلوباً، لأن مرادهم تشبيه الربا بالبيع ولكنهم رغبة منهم في المبالغة والتوكيد على حلية الربا، قلبوا الأمر فجعلوا البيع هو المشبه، والربا هو المشبه به، أو جعلوا الربا أصلاً مقياً عليه، والبيع فرعاً مقياً، فهذا هو قياس العكس[9].
لقد قالوا، والقول يصلح دليلاً للاحتمالين، لا لواحد دون الآخر، (سواء علينا الزيادة في أول البيع بالربح، وعند المحل لأجل التأخير[10]، أي سواء علينا الزيادة الأولى في البيع، أو الأخيرة في الربا[11].
ويزيد مرادهم وضوحاً بمقارنة نعقدها بين الربا والبيع المؤجل . فإذا باع أحدهم سلعة ثمنها النقدي عشرة بخمسة عشر نسيئة، فلماذا لا يجوز أن يعطي العشرة معجلة بخمسة عشر مؤجلة ؟[12]
وبصورة أوضح : إذا باع سلعة بخمسة عشر إلى شهرين، فلماذا لا يجوز، إذا باعها بعشرة إلى شهر أن يزيد خمسة إذا أجل المدين شهراً آخر؟ أفليست النتيجة واحدة وهي أن ثمن السلعة خمسة عشر إلى شهرين ؟[13].
ويبدو أن هذه المحاكمة قد أثرت على الشيخ محمد رشيد رضا، فذهب إلى أن الزيادة الأولى للأجل حلال في كل من القرض والبيع، بخلاف الزيادة عند المحل ( = تاريخ الاستحقاق) ، ولعله رأى أن الزيادة تمنع عند عجز المدين فقط. وتبعه في ذلك الشيخ عبد الوهاب خلاف[14]، وكذلك الدكتور محمود أبو السعود[15]، فبالاستناد إلى جواز الزيادة للأجل في البيوع المؤجلة، أجاز فائدة الودائع المصرفية الحالة، وحسم الأوراق التجارية، والقرض العقاري .
حكم فوائد الودائع المصرفيةفوائد الودائع المصرفية من البنوك التقليدية هي عين الربا الذي حرم الله تعالى صريحا في القرآن الكريم أخذا أو عطاء وهذا ما قرره جميع المجامع الفقهية، ويختلف العقد الربوي تمامًا عن المضاربة الشرعية، فالبنوك التقليدية لا تقوم بأي نشاط تجاري أو استثماري، وإنما تقدم فوائد ثابتة تخالف مبدأ المشاركة في الربح والخسارة. الفائدة المركبة التي تطبقها هذه البنوك تشابه ما كان عليه الربا في الجاهلية، وهو ما نهى عنه القرآن صراحة. القرار الذي يبيح فوائد البنوك مبني على أخطاء فقهية ومعلومات غير صحيحة. لذلك، يجب تصحيح هذه المفاهيم وعدم الانخداع بفتاوى تخالف الشريعة والإجماع الإسلامي