إن القرآن كتاب الله الخاتم إلى العالمين، يجمع بين تأسيس الشعائر والشرائع وبين وضع النواظم والقواعد لكل ما يحتاجه الإنسان في حياته الدنيا، لتحقيق الاستخلاف؛ عبادة وعمارة.
ولهذا، فإن القرآن الكريم وإلى جانبه السنة الشريفة مصدر الإسلام لتشكيل التصورات والمفاهيم والقيم كليها وجزئيها، ومنبع للمسلم في بناء مفاهيمه ومناهجه في الدين والعلم والحياة، ولهذا فإنهما يمثلان منبع استمداد لا ينضب لدراسة مختلف الظواهر والقضايا والأفكار والأحداث. فمنه نستمد الرؤية، والمنهج، والمقاصد التي يتناولها القرآن، ومختلف العلوم التي تستمد من القرآن إما بطريق مباشر؛ أي ما يتعلق منها بسنن الهداية، وإما بطريق غير مباشر؛ أي ما يتعلق منها بسنن الأفاق والأنفس والتاريخ (بن لحسن، ابن عاشور وإعادة الاعتبار للقول الكلي، 2012).
كما أن القرآن “جامع لمصالح الدنيا والدين، وموثق شديد العرى من الحق المتين، والحاوي لكليات العلوم ومعاقد استنباطها، والآخذ قوس البلاغة من محل نياطها، طمعا في بيان نكت من العلم وكليات من التشريع، وتفاصيل من مكارم الأخلاق، كان يلوح أنموذج من جميعها في خلال تدبره، أو مطالعة كلام مفسِّره” (ابن عاشور، التحرير والتنوير، 1997). وهو كتاب الله الجامع لخيري الدنيا والآخرة، ومنبع الحق والهداية، ومصدر العلوم على تنوعها، ومستمد الكليات في التشريع وفي العلم والأخلاق. وبالنظر في القرآن وتدبره نولد منه نماذج معرفية ومنهجية وعملية.
فهو ليس كتابا دينيا بالمفهوم الضيق للدين، وإنما هو كتاب هداية ورحمة وتبيان لكل شيء. ذلك أنه منبع للمعاني والمفاهيم والتصورات، والقيم والآداب، والأحكام والقصص، ومقاصده شاملة لمختلف جوانب الفكر والعمل، ومبثوثة في كل آياته.
وينبغي أن يأخذ القرآن مركز الاهتمام والاشتغال في تشكيل التصورات، وتحديد الرؤية، وبناء المناهج والمفاهيم، وفي مباشرة عملية التجديد الفكري والعلمي، والإصلاح التربوي والاجتماعي، بغية “التوصل إلى الوعي الحضاري العمراني بالقرآن” كما يقول شيخنا محمد الغزالي (الغزالي، كيف نتعامل مع القرآن، 1991).
وعندما نُعمِلُ القرآن بمنهجية صحيحة، سنصل إلى فهم حسن للقضايا الكبرى، التي تشغل بال الإنسان في كل مكان؛ قضية الخالق سبحانه، والخلق والكون والحياة والهدف منها، ودور الإنسان في هذه الحياة، ومصيره بعدها، ويصل المسلم أيضا إلى فهم حسن للمشكلات الحياتية والحضارية التي يعاني منها العالم الإسلامي في وقتنا الحاضر (إسماعيل، كيف نتعامل مع القرآن والسنة، 1987).
وإذا أردنا استعادة المبادرة والتأسيس الفعلي لعلاقة سليمة بين الدين والعلم، فإن علينا العمل على أن يسترجع القرآن مكانه؛ تدبراً وتفكراً واستنباطاً واستقراءً، وذلك يمثل استدعاءً للقرآن العظيم للساحة الثقافية، وإنهاء حالة الهجر والفصام بينه وبين العقل المسلم، وجعله المصدر الأول والأهم للمسلم المعاصر، كما كان كذلك عند السلف، يرجع إليه ليستقي منه العلم والمعرفة السليمة في نظرته إلى الإنسان والحياة والوجود، في الفطرة الإنسانية والاجتماعية، وفي قضايا الفرد والأسرة، والمجتمع، والعلاقات، والنظم. لأن القرآن أنـزله الله تعالى كتاباً لصلاح أمر الناس كافة، رحمة لهم، لتبليغهم مراد الله منهم. قال الله تعالى: { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ } [النحل:89].
إذا أردنا استعادة المبادرة والتأسيس الفعلي لعلاقة سليمة بين الدين والعلم، فإن علينا العمل على أن يسترجع القرآن مكانه؛ تدبراً وتفكراً واستنباطاً واستقراءً
إن كل شؤون الإنسان يشملها القرآن باستيعابه الشامل لمختلف دوائر حياة الإنسان، ولمختلف أبعاد شخصيته. وعليه، فإننا بتأملنا لمختلف الدوائر والأبعاد، ندرك أن القرآن يكون منبعاً لنا في تأسيس مختلف المعارف المتعلقة بصلاح الإنسان؛ فردا وجماعة وعمرانا. وهذا يجعل من القرآن مركزيا ومهيمنا في التأسيس لعلم العقيدة، وعلم الأخلاق، وعلم الأدب وتهذيب النفوس، ومناهج التفكير، وعلم النفس، وعلم الشعائر أو العبادات، وعلم المعاملات، وفي تأسيس الفقه الجماعي، أو فقه الشؤون العامة التي تهتم بالوجود الاجتماعي للفرد في وسط جماعة؛ أي فقه الشأن العام، وعلم العمران وعلم الاجتماع (ابن عاشور، التحرير والتنوير، 1997).اقرأ أيضا: