رحلة ماتعة ونافعة قضيتها مع تأليفي لكتابي الجديد “قصة بدء الخلق وخلق آدم عليه السلام”، واكتشفت معالم جديدة بالنسبة لي عن حقائق القرآن الكريم من خلال التفسير الموضوعي لآياته الكريمة. وقد تقيدت بأقوال علماء التفسير والفقهاء الكبار، وأعمدة التاريخ، ممن ساهموا في إثراء المكتبة الإنسانية والإسلامية في تناولهم لتلك المرحلة الأولى من خلق المخلوقات، وبعدها بداية الحضارة الإنسانية الأولى.
نقاشات وتفسيرات حول المخلوق الأولإن مصدر معرفة أول المخلوقات وكيفية الخلق هو الخبر عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ، وما فَهمه أهل العلم منهما، إذ لا مصدر لذلك غير الوحي المعصوم والفهم المهتدي بهديه، وما عدا ذلك فهو فرضيات وتوقعات، ولا تلبث في كثير من الأحيان أن يتراجع عنها القائلون بها ويكتشفون ما ينقضها مما يطلعهم الله عليه من علمه، وقد قال ابن كثير رحمه الله تعالى، في مقدمة كتابه البداية والنهاية: وكان من أعظم نعمه عليهم -أي على بني آدم- وإحسانه إليهم بعد أن خلقهم ورزقهم ويسر لهم السبيل، وأنطقهم، أن أرسل رسله إليهم، وأنزل كتبه عليهم؛ مبينة حلاله وحرامه، وأخباره وأحكامه، وتفصيل كل شيء في المبدأ والمعاد إلى يوم القيامة، فالسعيد من قابل الأخبار بالتصديق والتسليم، والأوامر بالانقياد، والنواهي بالتعظيم.
إن الحقيقة المجردة تقول إنه لا مصدر حقيقي لمعرفة بداية الخلق غير الوحي المعصوم، قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الملك: 14]، هذا وقد تعددت أقوال العلماء في أي المخلوقات خلق أولاً؟ فمنهم من قال بأن الماء أول المخلوقات، ومنهم من قال بأن أول المخلوقات هو العرش، ومنهم من قال بأن القلم هو الأول، ومأخذهم في ذلك من فهمهم للنصوص التي تحدثت عن هذا الموضوع، قال ابن كثير في تاريخه: وقد أجمع علماء الإسلام قاطبة -لا يشك في ذلك مسلم-أن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، كما دل عليه القرآن الكريم.
ثم قال: واختلفوا هل كان قبل خلق السماوات والأرض شيء مخلوق قبلهما؟ فذهب طوائف من المتكلمين إلى أنه لم يكن قبلهما شيء، وأنهما خلقتا من العدم المحض، وقال آخرون: بل كان قبل السماوات والأرض مخلوقات أخر، لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [سورة هود: 7].
وقال في التفسير: قال مجاهد: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ قبل أن يخلق شيئاً، وكذا قال وهب بن منبه، وضمرة وقتادة وابن جرير، وغير واحد، وقال قتادة في قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ ينبّئكم كيف كان بدء خلقه قبل أن يخلق السماوات والأرض. وأما الاختلاف: هل خلق العرش أولاً أم الماء أم القلم؟ فقد اختار ابن جرير وابن الجوزي رحمهما الله تعالى أن القلم أول المخلوقات، وهو القلم الذي كتبت به مقادير الخلق، واستدلوا بحديث عبادة بن الصامت الذي رواه الإمام أحمد وأبو داوُد والترمذي، قال: قال رسول الله ﷺ: (إن أول ما خلق الله القلم، ثم قال له اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة))
قال ابن كثير: والذي عليه الجمهور -فيما نقله الحافظ أبو العلاء الهمداني وغيره- أن العرش مخلوق قبل ذلك، كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء)، قالوا: فهذا التقدير هو كتابته بالقلم المقادير، وقد دل هذا الحديث على أن ذلك بعد خلق العرش، فثبت تقديم العرش على القلم الذي كُتبت به المقادير، ويحمل حديث القلم على أنه أول المخلوقات من هذا العالم، أيّ ما عدا العرش والماء .
وقال ابن حجر في الفتح: وأما ما رواه أحمد والترمذي وصححه من حديث عبادة بن الصامت مرفوعاً: (أول ما خلق الله القلم، ثم قال: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة)، فيجمع بينه وبين ما قبله بأن أوليّة القلم بالنسبة إلى ما عدا الماء والعرش، أو بالنسبة إلى ما منه صدر من الكتابة، أيّ إنه قيل له: اكتب أول ما خلق. وأما حديث: أول ما خلق الله العقل: فليس له طريق ثبت. وقال آخرون: بل أول ما خلق الله الماء قبل العرش وقبل القلم، واستدلوا بحديث أبي رزين العقيلي مرفوعاً: (أن الماء خلق قبل العرش)، وروى السدي في تفسيره بأسانيد متعددة أن الله لم يخلق شيئاً مما خلق قبل الماء. وعلى أيِّ من هذه الأقوال فما يرجحه كثير من أهل العلم أن العرش والماء هما أول المخلوقات، قال ابن حجر في الفتح: أشار بقوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ إلى أن الماء والعرش كانا مبدأ هذا العالم، لكونهما خُلقا قبل خلق السماوات والأرض، ولم يكن تحت العرش إذ ذاك إلا الماء .
أول ما خلق الله تعالىالمخلوق الأول: خلق العرش، عرش الرحمن هو أعظم المخلوقات حجماً وكيفية وأعلاها مكاناً، فهو سقف الكون، وعليه ذو الجلال والإكرام، ولا يدانيه في عظمته شيء من خلق الله، وقد أضافه إلى نفسه إضافة تشريف وتعظيم؛ فيقال: “عرش الرحمن”، ونسبه إلى نفسه كما نسب عظائم مخلوقاته، فقال سبحانه: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [سورة غافر: 15]، وقال سبحانه: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [سورة التكوير: 20]، وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [سورة الزخرف: 82]، وقال تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [سورة البروج: 15].وصفه بالكريم في قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [سورة المؤمنون: 116]، كما وصفه بالعظيم في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة النمل: 26].