المقالات الإسلامية المتنوعة

التجربة الدينية وإنكار الوحي - إسلام أون لاين

التجربة الدينية وإنكار الوحي - إسلام أون لاين

كانت ثمرة تغييب الدين عن الحياة في الغرب شديدة المرارة، كما أن عودة الدين وفق منطق المادية ومنهجها شديد الخطورة، فالأول جرد الإنسان من الإيمان واليقين، والثاني يصنع يقينا موهوما في أعماق الإنسان، بعدما جعل الإيمان فرديا ومقطوع الصلة بالخالق، سبحانه وتعالى، ومانحا ظهره للوحي والأنبياء.

تنطلق الأبحاث التأسيسيّة في الغرب حول الدين من معايير العقل الأرسطيّ[1]، فتمّ النّظر إلى الإيمان الدينيّ كظاهرةٍ تاريخيّةٍ مثل أيّ ظاهرة دنيويّة أخرى، وهذه المنهجيّة الانحصاريّة جعلت مقاربة الإيمان والتجارب الدينيّة سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات الحضاريّة مقيَّدة بالرؤية المادّيّة، ونتيجة لذلك تعاطى الكثير من مفكّري وعلماء اجتماع الحداثة مع منظومة التفكير الدينيّ ليس بما تمثّله من قيمةٍ نظريّةٍ، بل باعتبارها تجربةٍ عمليّةٍ؛ فجرت مقاربة الدين لا بوصفه منظومة تعاليم، بل كممارسة تطبيقيّة في ميدان الاجتماع السياسي ؛ وهذا يعني أنّ الحكم على الدين في حقبة الحداثة كان وفق المعياريّة الغربيّة الخاضعة لسلطان العقل المحض والرافضة لقيم الوحي، والراغبة في إخضاع كل شيء للتجربة والاختبار.

وفي العدد الثاني والعشرون من مجلة “الاستغراب” شتاء 2021، والصادر في 333 صفحة، استعراض لملف مهم بعنوان “التجربة الدينية: تسامي الوحي..تهافت العقل الأدنى”، ذلك المصطلح الذي احتل مكانا في الكتابة عن الدين في العقود الأخيرة، والساعي لفرض حضوره في المجال الديني، رغم ما يضمره من  أزمات عميقة مع مفهوم الوحي والنبوة.

مفهوم التجربة الدينية

يعتبر مصطلح “التجربة الدينيّة” حديث في الحقل المعرفي والفلسفي الغربي في دراسة الدين، وساهم في تطويره المفكر الألماني “فريدريك شلايرماخر ” Friedrich Schleiermacher، وعالم النفس الأمريكي “ويليام جيمس”  William James‏، وتعرفها موسوعة ” ستانفورد للفلسفة”  بأنها :” كونها تجربة تبدو للشخص الذي يمر بها وكأنها تحوز شيئًا من الحقيقة الموضوعية، وتمتلك شيئًا من المضمون الديني”، ولذا يعتبر المفهوم عامًّا للغاية، لأنه يشمل جميع أنواع المشاعر ووقائع الأفكار الدينيّة.

وفي التجربة المسيحية فقد أدّى عدم الاقتناع بالنظريّة اللاهوتيّة والدراسات العقائديّة، إلى ازدياد التركيز على التجربة الدينيّة، على اعتبار أن دراسة العقيدة أدّت إلى إهمال ونسيان جوهر الدين، وأنه يمكن تقديم المفهوم كبديل عن المبادئ العقائديّة، وهؤلاء يرون أن جوهر الدين يكمن في المظاهر الباطنيّة والذاتيّة الخاصّة به، وأن الدين لا يمكن فهمه بطريقة صحيحة دون الاهتمام بالمشاعر والعواطف، لذا دافع “ويليام جميس” في كتابه “أصناف التجربة الدينيّة” عن قوّة التجربة الباطنيّة في ترسيخ الإيمان، إذ كان الهدف هو فهم الحياة الباطنيّة للمتديّنين دون محاولة إثبات وجود الله أو الملائكة، ويرى “جيمس” أنّ الجوانب الفرديّة للدين أكثر جوهريّة من أساليب التعبير المؤسّسيّة، فيقول:”التجارب الفرديّة المباشرة ستملأ وقتنا بما يكفي، ولن نفكّر في اللاهوت أو الكنسيّة على الإطلاق”.

مقالات عشوائية