المقالات الإسلامية المتنوعة

نصر أبو زيد بين أنسنة النص و فكر المعتزلة - إسلام أون لاين

يحاول نصر أبو زيد دائما أن يجد لنفسه أساسًا في فكر المعتزلة على حد رؤية البعض من خلال إرجاعه فكرة تاريخية النص القرآني إلى كون القرآن مخلوقًا، فهو يحاول تعريف مصطلح التاريخية، وإلقاء الضوء على مدلولها في ظل العودة إلى مفهوم خلق القرآن عند المعتزلة ومحاولًا البيان بالمدلول الحقيقي في ظل استحضار للدلالة فقد ذهب المعتزلة إلى أنَّ القرآن محدث مخلوق ليس له صفة من صفات الذات الإلهية القديمة، القرآن كلام الله، والكلام فعل، وليس صفة، فهو من هذه الزاوية ينتمي إلى مجال صفات الأفعال الإلهية، ولا ينتمي إلى مجال صفات الذات، ذلك أن خلق القرآن حدث في الزمن التاريخي؛ لأن كل الأفعال الإلهية أفعال في العالم المخلوق المحدث؛ أي: التاريخي، والقرآن الكريم كذلك ظاهرة تاريخية من حَيْثُ إنَّه واحد من تجليات الكلام الإلهي، وإنْ يَكُنْ أشمل هذه التجليات، وينتهي هذا السياق التأسيسي (التوفيقي الملفق) إلى تعريف المدلول الحقيقي في زعمه لمصطلح تاريخية النص القرآني، وهي دلالة الحدوث في الزمن؛ إذ التاريخية هنا تعني الحدوث في الزمن حتى ولو كان هذا الزمن هو لحظة افتتاح الزمن وابتدائه، إنَّها لحظة الفصل والتمييز بين الوجود المطلق المتعالي والوجود الإلهي والوجود المشروط الزمني، وإذا كان الفعل الإلهي الأول فعل إيجاد العالم هو فعل افتتاح الزمان فإنَّ كل الأفعال التي تلت هذا الفعل الأول الافتتاحي تظل أفعالًا تاريخية بحكم أنَّها تحققت في الزمن والتاريخ وكل ما هو ناتج عن هذه الأفعال الإلهية محدث بمعنى أنَّه حدث في لحظة من لحظات التاريخ [1].

ونلاحظ مدى الخلط والإغراق في مصطلحات فلسفية لا ندري الهدف من ورائها، فليست نصوص القرآن بهذا الغموض، ولا تحتاج لكل هذه الفلسفة والإغراق فيها للوصول إلى مراميها وتفسيرها وتحقيق مقاصدها.

والحقيقة أنَّ الفارق واسع في المنهج والغاية بين المعتزلة ونصر أبوزيد، فالمعتزلة القدامى لا يُنكرون الوحي، ولا يُنزلون النص إلى منزلة كلام البشر وأنسنته، هم يسلمون بأصله الإلهي. هم فقط يؤولونه فهمًا واعتقادًا مع الاحتفاظ له بالقدسية فيما يتعلق بالنص الموحى به (القرآن)، أمَّا السنة فإنهم وإن رفضوها فلهم مبرر قد نتفق أو نختلف معه، لكن تبقى له وجاهته؛ لأنَّها إما تعارضت مع النص القرآني أو العقل البشري، وهم حينما ينفونها، ولا يقبلونها يجردونها من أهم شيء، وهو نسبتها إلى رسول الله بوصفه نبي الحق المعصوم، والفارق كبير وواضح جدًّا.

وهكذا نجد أن نصر حامد أبو زيد ﻗد بنى ﻤﺸروﻋﻪ ﻓﻲ إﻋﺎدة ﻗراءة النص الديني ﻋﻠﻰ ﻓكرة تأنسن ﻫذا النص وتاريخيته، مستدلا لدﻋواﻩ بظاهرة أسباب النزول، وأن ارتباط النصوص بأسباب النزول دليل ﻋﻠﻰ تاريخية النص، و جدله مع الواقع الذي نزل فيه، وﻫذا الجدل مستمر بعد تجاوز تلك الأسباب وبقاء النص، وذلك ﻋن طريق التأويل المفتوح لهذا النص، و مراعاة الوقائع المختلفة ومتغيرات الزمان والمكان، وﻤن ﻫﻨﺎ يكون النص التشرﻴﻌﻲ عالميًّا، ومستجيبا لحاﺠﺎت كل ﻋﺼر، متجاوزا الزمان والمكان الذي نزل ﻓﻴﻪ، والنص يحمل دوالًا تسمح بتجاوز المعنى اﻷول الذي فسر به ؛ ﻷنَّ طﺒﻴﻌﺔ اللغة ذاتها أنها تعبر ﻋن الواﻗﻊ تعبيرا رمزيا .

إن تاريخية النص تعني أنه ﻻ يحمل معنى واحدا يقف ﻋﻨدﻩ المفسرون ﻋﺒر العصور، بل النص ﻓﻲ حالة جدل وتفاعل مستمر مع الواقع، حيث بدأ ذلك التفاعل ﻋن طريق أسباب النزول ﻓﻲ ﻋﺼر نزول الوحي ، ثم تبقى طبيعة النص اللغوية الرمزية قابلة وخاضعة للتأويل ﻋﺒر العصور، استجابة لوقائع وظروف أخرى لم تكن موجودة ﻓﻲ ﻋﺼر التنزيل، فيكون النص مفتوحا ﻋﻠﻰ معان متعددة بحسب اختلاف القراءات والتأويلات من ﻋﺼر لآخر.

يقول نصر أبو زيد: ما يؤكد ﻫذﻩ الفكرة أن القرآن قد نزل مستجيبا لحاﺠﺎت الواﻗﻊ وحركته المتطورة، خلال ﻓﺘرة زادت ﻋﻠﻰ العشرين عاما، وﻤﻊ تغير حركة الواﻗﻊ وتطوره بعد انقطاع الوحي تظل العلاﻗﺔ بين الوحي والواﻗﻊ ﻋﻼﻗﺔ جدلية، يتغير ﻓﻴﻬﺎ معنى النص، ويتجدد بتغير معطيات الواﻗﻊ.

فهذا المنهج يرفض المعنى الواحد الذي يدل ﻋﻠﻴﻪ النص، ويذهب لتعدد المعاني والدلالات وﻋدم انحصارها، ويرفض ما يسمى القراءة البريئة للنص، بمعنى تلك القراءة التي تزعم أنَّ ﻫﻨﺎك حقيقة موضوعية واحدة ﻴﺒﺤث ﻋﻨﻬﺎ القارئ ﻓﻲ جميع ﻋﺼور التفاعل مع هذا النص.

ﻴﻘول د. نصر أبو زيد: انطﻼﻗًﺎ من الوعي بهذه العلاقة الجدلية بين الماضي والحاﻀر، وبين الباحث وموضوعه، ﻻ بد من التسليم بأنه ﻻ توجد ثمة ﻗراءة بريئة، وهو يؤكد أقوال من سبقوه فطﻴب تيزيني ﻴؤكد ﻓﻲ كتاﺒﻪ «اﻹﺴﻼم والعصر» أن القول بقراءة بريئة أو خطاب بريء ﻋﻠﻰ صعيد الفكر والتراث الإسلامي يمثل خطا معرفيا.اقرأ أيضا:

مقالات عشوائية