المقالات الإسلامية المتنوعة

مميزات الخطيب الناجح (1/2)

الخطابة فن قديم نشأ قبل الإسلام ولها من التأثير ما هو أقوى من تأثير الكلمة المقروءة وقد كان الناس في الجاهلية يتجمعون في سوق عكاظ ويتبارى الشعراء والوعاظ في إلقاء ما عندهم من شعر ونثر ولما جاء الإسلام زادها جمالا واشترط لها شروطا وأوجب حضورها على كل مسلم مكلف وألزم المسلمين بالإنصات لها واشترط لها الوقت إلى غير ذلك من أمور موجودة في كتب الفقه1. ولما كانت الخطابة بهذه المثابة والأهمية فإن ثمة ملاحظات يجب على الواعظ ملاحظتها في حال خطبته؛ ليصل إلى ما يصبو إليه وهي ما يأتيأولا الإكثار من الآيات القرآنية؛ ففيها الوعظ والشفاء ثم الاستدلال بالمأثور من الأحاديث الصحيحة وتجنب الأحاديث الموضوعة ففي دواوين المسلمين مثل صحيح البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم المرغبة في الجنة والمخوفة من النار ما يغني عن رواية الأحاديث الموضوعة ولقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار 2. ثانيا الاستعانة بالقصص الواردة في القرآن والسنة وربطها بالواقع؛ مثل قصة إبراهيم الخليل مع أبيه وقصة أصحاب الكهف وما فيها من العبر والعظات وفي الحديث مثل قصة الذي قتل مائة نفس في باب التوبة وغيرها من القصص ولا بأس من الاستعانة بضرب الأمثال وتصوير المعاني بأشياء محسوسة من الواقع من أجل تقريب المعاني إلى الأذهان؛ مثل تمثيل رحمة الله بالعبد وأنه سبحانه أرحم من الوالدة على ولدها3؛ ولذلك دعاه للتوبة وقبلها منه وأنه لو شاء أخذه بذنبه وعجل له العقوبة في الدنيا ولكنه سبحانه يمهل ولا يهمل. ثالثا عدم إطالة الخطبة؛ لأنها تورث الملل والسآمة وإطالة الخطبة في الغالب تنشأ من أمرينالأول إعجاب الخطيب بنفسه وأنه قد أضاف شيئا إلى معلوماتهم. والثاني السهو والنسيان ولكن يجب أن نذكر بأن الأمة الإسلامية قد طالت محنتها وحاجتها إلى كلام قليل مؤثر أعظم من حاجتها إلى الكلام الطويل وليس هناك أعظم موعظة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أوتي جوامع الكلم ورغم ذلك فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه 4 وفي الحديث وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال رجل إن هذه موعظة مودع .......5. والبلاغة كما قال العلماء هي التوصل إلى إفهام المعاني المقصودة وإيصالها إلى قلوب السامعين بأحسن صورة من الألفاظ الدالة عليها وأفصحها وأجلها لدى الأسماع وأوقعها في القلوب ولكن ترى ما هي الموعظة البليغة القصيرة التي أثرت في قلوب الصحابة فذرفت لها عيونهم ووجلت لها قلوبهم؟ لقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة 6. لقد دلت موعظة رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء أقره العلم النفسي الحديث وهي أن الطاقة الذهنية للإنسان محدودة لا يمكن في العادة أن تتابع الكلام بانتباه طويل لأكثر من 15 دقيقة وبعدها تصاب بالشرود والتعب ويتمنى المستمع حينئذ أن يستريح ذهنه حتى يجد أمرا أو مشوقا آخر. فينبغي أن يكون كلام الخطيب جامعا موجزا صادرا من قلب صادق وتفكير هادئ وألا يحول بينه وبين المستمعين أي حائل نفسي سوى مراقبة الله والخوف منه؛ ولهذا ينبغي عليه قبل الشروع في الخطبة وارتقاء المنبر تصفية نفسه مما علق بها من شوائب وأكدار وتهذيبها من العلائق والدعاء بصدق أن يوفقه الله في وعظه وأن يسدد كلامه وأن يكون له وقع طيب في الأسماع والقلوب. رابعا من المستحسن أن تبدأ الخطبة بما يجلب انتباه السامعين من حادث مهم وخبر ذي فائدة ثم يربطه بمعاني القرآن والسنن الكونية ثم على الخطيب بعد ذلك أن يمضي مسترسلا في وعظه ويقرن بين التبشير والإنذار ويتخير من الحوادث ما يكون محور وعظه ومدار خطبته ثم يخرج بعد ذلك العرض بحل شرعي مما استجد من حوادث وما حل بالمسلمين من ضيق وبلاء ويذكرهم دائما بأن المخرج من ذلك كله هو طاعة الله وطاعة رسوله وأولي الأمر فهو سبب لسعادة الدنيا والآخرة. خامسا من المهم جدا أن يكون موضوع الخطبة واضحا في ذهن الخطيب وأن تكون المادة العلمية التي يراد طرحها وتعريف الناس بها حاضرة في الذهن قبل الشروع في الخطبة ويمكن اتخاذ الوسائل والتدابير لذلك مثل تدوين رؤوس المسائل والخطوط العامة في ورقة صغيرة يرجع إليها عند الحاجة؛ حتى لا يتحرج فيخلط بعدها في كلامه أو يستطرد في أمر لا علاقة له بصلب الموضوع فيفقد هيبته في القلوب. سادسا على الخطيب أن يحذر من ذكر ما يساء فهمه من الآيات والأحاديث دون أن يلقي عليها الضوء من شرح أو تعليق ليزول7 الإشكال مثل ذكر الأحاديث التي فيها أن الله أدخل الجنة من سقى الكلب8  وكان صاحب معصية كبيرة فغفر له فيظن الظان أن مجرد هذا العمل يدخل الجنة دون توبة أو رجوع إلى الله. سابعا هناك أمور ينبغي على الخطيب الانتباه إليها وهي إن كانت بسيطة لكنها هامة تجعل الخطيب يملك زمام الأمور ويأخذ بناصية المواقف وتمنحه قوة الشخصيةمثل هندسة الصوت فلا يرفع صوته لغير حاجه ولا يكون بطيئا فتمله الأسماع. ومنها أيضا عدم الإكثار من الإشارة بدون سبب فيكون حاله كالممثل على خشبة المسرح بل يتم توزيع ذلك باعتدال تام أمام الحاضرين. ومنها الالتفات المعقول فلا يشير إلى أحد بعينه أو طائفة من الناس وهو يتكلم مثلا عن المنافقين أو الكافرين؛ لئلا يقع في سوء الظن. وهناك أمور تتعلق بالخطيب نفسه وما ينبغي أن يكون عليه من صفات وأخلاق نشير إليها بإيجاز ومنها أن يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة ويتسلل إلى قلوب الحاضرين فيصل إلى ما ينكرون من حيث لا يشعرون فيشتد في مواضع الشدة ويلين في مواضع اللين.  أن يكون الخطيب عالما بسائر الأحكام الشرعية ومسائل الخلاف ومدارك العلماء ومن أين أخذوا؛ ليتمكن من الإجابة على أسئلة الناس على بينة خاصة في مسائل العبادات والمعاملات.  أن تكون له مهابة في القلوب فيستعمل خلق الورع والخوف من الله كما هو دأب أولياء الله الصالحين فلا يرتكب كبيرة أو يصر على صغيرة؛ حتى تعظمه النفوس وتنقاد إلى سماعه الأبدان.  أن تكون له معرفة قوية باللغة العربية مثل علم الإعراب وعلم الأساليب (المعاني والبيان والبديع) وهذا يحصل بممارسة الكلام البليغ ومزاولته؛ حتى تكون له ملكة على تأليف الكلام وإنشائه فيعبر عن المعاني العديدة بألفاظ وجيزة. لقد كانت عملية الخطابة عند فقهائنا الأجلاء تسد أكثر الثغرات في المجتمع المسلم وتعالج معظم الانحرافات العقدية والاجتماعية بفضل ما كان عليه علماؤنا من خلق ودين وورع ولما كان الخطيب نفسه يتمتع به من شخصية مؤثرة في قلوب من يخاطبهم. مقترحات وتوصياتفي بلاد الإسلام ولله المن والفضل آلاف المساجد يحضرها كم هائل من المصلين فلو فكرت وزارات الأوقاف في تلك البلاد في تهيئة كادر من الخطباء والوعاظ تتوفر فيهم الصفات المؤهلة لشغل تلك الوظيفة الهامة وبعد تفكير رأيت أن أسلم طريق وأنجح وسيلة في تكوين الخطباء هي اتباع ما يليأولا أن تقوم تلك الهيئات الرسمية بتربية الخطيب من خلال حث الخطباء على إتقان القرآن على يد مقرئ متقن وبعد تحصيل العلوم الأولية التي تنمي الموهبة وتنشط العقل وتفتق الذهن. ثانيا توجيه الخطباء إلى قراءة ما يتعلق بكتب الأدب وخاصة الشعر والنثر وإجادة الخط العربي؛ لما لذلك من أهمية في شخصية الخطيب وتأثيره على المستمعين. ثالثا الاهتمام بقواعد اللغة العربية من النحو مع التطبيق العملي لآيات القرآن؛ إذ لا يحسن بالخطيب أن تظهر منه أخطاء لغوية وهو يعتلي المنبر ويوجه الناس. رابعا أن يطلب من الخطيب أن يكثر من تلاوة القرآن مع الاستعانة بفهم القرآن وتدبر معانيه ومن خلال قراءة كتب التفسير المعتمدة ثم يعود على الاستقلالية في الفهم والتصور المبني على الكتاب والسنة؛ من أجل تقريب معاني القرآن إلى أذهان الناس وبأسلوب العصر. خامسا على الخطيب أن يضيف إلى رصيده المعرفة التامة بسيرة الرسول الأعظم وسنته القولية والفعلية وذلك من خلال قراءة ما يتعلق بكتب السيرة ومن أعظمها نفعا كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم رحمه الله تعالى ودراسة ما يتعلق بمصطلح الحديث؛ ليتمكن من معرفة صحة الحديث مع دراسة فقه الحديث من كتاب بلوغ المرام شرح أحاديث الأحكام؛ ليتمكن من الإجابة على الأسئلة التي تعرض عليه. سادسا دراسة أحوال البشر فقد بين الله في كتابه كثيرا من أحوال الخلق وطبائعهم والسنن الربانية في البشر وتقلبات الأحوال يقول محمد رشيد رضا فلا بد للناظر في هذا الكتاب أي القرآن من النظر في أحوال البشر في أطوارهم وأدوارهم وما ينشأ من اختلاف أحوالهم من ضعف وقوة وعزة وذل وعلم وجهل وإيمان وكفر9 كل ذلك من أجل أن يتمكن الخطيب من اقتلاع الأمراض القلبية والاجتماعية من نفوس المجتمع ولا بأس مع ذلك من أن يتعلم بعض الظواهر الكونية10 وذلك بدراسة العلوم التي تبصره بنظام الكون وسنته فيستدل بآيات القرآن على وحدانية الله وربوبيته للخلق. سابعا إعداد خطباء مهمتهم تذكير الناس في الميادين العامة والمتنزهات الجامعة؛ لأن قصر الخطبة على أيام الجمع يكون قليل الفائدة وقد كان من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم أن يخطب في غير أيام الجمع ما دعت إليه الحاجة أو حصول أمر مهم يحب التنبيه إليه أو التحذير منه. ثامنا أن تقوم تلك الهيئات بمتابعة الخطباء في مساجدهم والاستماع إلى شكواهم والاستماع إلى مواعظهم والتنبه لأخطائهم ويؤمروا ألا يتكلموا بما يعلو أذهان الناس أو لا يناسب مستوياتهم وواقعهم فالخطبة إنما شرعت لتذكير الناس بشؤون المعاد والآخرة ولا بأس من التطرق إلى مواضيع تخص حياة الناس العملية والمعيشية ومعالجتها على ضوء القرآن والسنة. 1 انظر توضيح الأحكام من بلوغ المرام جزء 2 ص561 وما بعدها.2 صحيح رواه البخاري (1291) ومسلم (4) وروي الحديث بغير هذا اللفظ انظر رقم 2142 في صحيح الجامع.3 المصدر مجموع الفتاوى الصفحة أو الرقم 16 299 والحديث صحيح.4 الحديث رواه عمار بن ياسر المحدث مسلم المصدر المسند الصحيح الصفحة أو الرقم 869.5 الترمذي المصدر سنن الترمذي الصفحة أو الرقم 2676 والحديث حسن صحيح.6 المرجع السابق.7 استفدت بعض الشيء من كتاب أصول الدعوة للدكتور عبدالكريم زيدان ص471 في النقاط الأخيرة الخامسة والسادسة.8 البخاري المصدر الجامع الصحيح الصفحة أو الرقم 3467 الحديث صحيح.9 تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضاج 1ص 23.10 مثل قراءة كتاب توحيد الخالق للشيخ الزنداني بأجزائه الثلاثة.الكاتب مرشد الحيالي

مقالات عشوائية