الاجتهاد والتقليد
وفيه سبعة ضوابطالضابط الأول الاجتهادبذل العالم المؤهل وسعه في استنباط الحكم الشرعي. الضابط الثاني الاتباعقبول قول القائل مع معرفة دليله. الضابط الثالث التقليدقبول قول القائل بدون معرفة دليله. الضابط الرابع قد يكون العالم مجتهدا في إثبات النص مقلدا في استنباط الحكم والعكس؛ وقد يكون مجتهدا في باب مقلدا في غيره. الضابط الخامس شروط المجتهد تسعة1 الإسلام.2 التكليف.3 أن يكون عالما بالقرآن.4 أن يكون عالما بالسنة مميزا صحيحها من سقيمها.5 أن يكون عالما باللغة العربية.6 أن يكون عالما بأصول الفقه.7 أن يكون عالما بمسائل الإجماع.8 أن يكون عالما بالناسخ والمنسوخ.9 أن يكون ذا ذكاء وفطنة. الضابط السادس الاجتهاد لا ينقض باجتهاد آخر. الضابط السابع لا يجوز التقليد إلا بشرطين1 أن يكون المقلد عاميا عاجزا عن فهم الدليل.2 أن يستفتي عالما ثقة تقيا. الشرحقوله (الاجتهاد) الاجتهاد لغةبذل الوسع في طلب أمر1.ولا يستعمل الاجتهاد إلا فيما فيه جهد يقال اجتهد في حمل حجر كبير ولا يقال اجتهد في حمل حبة قمح2. وسيأتي تعريفه إن شاء الله في اصطلاح العلماء من كلام شيخنا حفظه الله. قوله (والتقليد) التقليد لغةجعل القلادة في العنق والقلادة هي التي توضع في العنق3.وسيأتي تعريفه إن شاء الله في اصطلاح العلماء من كلام شيخنا حفظه الله. قوله (الضابط الأول الاجتهاد بذل العالم المؤهل)أي الذي توفرت فيه شروط الاجتهاد فلا يجوز الاجتهاد من غير عالم مؤهل4. قوله (وسعه)أي يبذل وسعه في الطلب إلى أن يحس من نفسه بالعجز عن مزيد طلب5. قوله (في استنباط الحكم)أي مما يسوغ فيه الاجتهاد6. قوله (الشرعي)خرج بهذا الحكم العقلي والحسي؛ لأنهما ليسا مما يتكلم فيهما العالم الشرعي7. قوله (الضابط الثاني الاتباع قبول قول القائل مع معرفة دليله أي الاتباع هو معرفة المستند الشرعي للقول الذي يتبعه وهذا بخلاف التقليد فلا يشترط فيه معرفة الدليل8. قوله (الضابط الثالث التقليد قبول قول القائل بدون معرفة دليله)أي التقليد لا يكون تقليدا إلا مع عدم معرفة الدليل؛ فالأخذ بقول النبي صلى الله عليه وسلم أو بالإجماع لا يسمى تقليدا؛ لأن ذلك هو الدليل نفسه9.والمقلد ليس من أهل العلم بالإجماع. قال أبو عمر ابن عبدالبر وغيره من العلماء (أجمع الناس على أن المقلد ليس معدودا من أهل العلم وأن العلم معرفة الحق بدليله)10. قال ابن القيم (وهذا كما قال أبو عمر رحمه الله تعالى فإن الناس لا يختلفون أن العلم هو المعرفة الحاصلة عن الدليل وأما بدون الدليل فإنما هو تقليد)11. ولا يجوز لأحد أن يعرض عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم لقول أحد من الناس. قال الإمام الشافعي (أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس)12. قوله (الضابط الرابع قد يكون العالم مجتهدا في إثبات النص مقلدا في استنباط الحكم والعكس؛ وقد يكون مجتهدا في باب مقلدا في غيره) أي لا يشترط في المجتهد أن يبلغ رتبة الاجتهاد في جميع المسائل فالمجتهد قسمان13أحدهما مجتهد مطلق وهو الذي بلغ رتبة الاجتهاد في جميع الأبواب والمسائل الشرعية. الثاني مجتهد جزئي وهو أنواعأحدها مجتهد في باب من الأبواب كباب الميراث مثلا ومقلد في باقي الأبواب.الثاني مجتهد في إثبات النص من حيث الصحة والضعف ومقلد في استنباط الحكم من حيث الوجوب والحرمة ونحوه.الثالث مجتهد في استنباط الحكم ومقلد في إثبات النص. قال ابن القيم (الاجتهاد حالة تقبل التجزؤ والانقسام فيكون الرجل مجتهدا في نوع من العلم مقلدا في غيره أو في باب من أبوابه كمن استفرغ وسعه في نوع العلم بالفرائض وأدلتها واستنباطها من الكتاب والسنة دون غيرها من العلوم أو في باب الجهاد أو الحج أو غير ذلك؛ فهذا ليس له الفتوى فيما لم يجتهد فيه ولا تكون معرفته بما اجتهد فيه مسوغة له الإفتاء بما لا يعلم في غيره وهل له أن يفتي في النوع الذي اجتهد فيه؟فيه ثلاثة أوجه أصحها الجواز بل هو الصواب المقطوع به)14. قوله (الضابط الخامس شروط المجتهد تسعة)أي يشترط في المجتهد ليصح اجتهاده تسعة شروط ومتى اختل منها شرط لم يصح الاجتهاد. قوله (1الإسلام) أي لا بد أن يكون المجتهد مسلما فلا يصح الاجتهاد من الكافر؛ لأن الاجتهاد عبادة والإسلام شرط في كل عبادة وغير المسلم مهما بلغ من العلم بعلوم الشريعة لا يقبل اجتهاده؛ لقول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين آل عمران 10015. قوله (2التكليف) أي لا بد أن يكون المجتهد مكلفا والمكلف هو البالغ العاقل16 فلا يصح الاجتهاد من صبي أو مجنون. أما اشتراط البلوغ؛ فلأن الصغير ليس بكامل آلة العلم حتى يتصف بمعرفة أصول الفقه على وجهها17. أما اشتراط العقل؛ فلأن من لا عقل له لا يدرك علما لا فقها ولا غيره ولأن المجنون لا يقبل قوله على نفسه فكيف يقبل في الفتوى والاجتهاد؟!18. قوله (3أن يكون عالما بالقرآن)أي لا بد أن يكون المجتهد عالما بما يتعلق من القرآن بالأحكام ولا يشترط حفظها بل علمه بمواقعها حتى يطلب الآية المحتاج إليها وقت حاجته19. قوله (4أن يكون عالما بالسنة مميزا صحيحها من سقيمها)أي لا بد أن يكون المجتهد عالما بأحاديث الأحكام وهي وإن كانت كثيرة فهي محصورة مميزا بين صحيحها وضعيفها؛ ليأخذ بالصحيح ويترك الضعيف فيحتاج أن يعرف الحديث الذي يعتمد عليه فيها أنه صحيح غير ضعيف إما بمعرفة رواته وعدالتهم وإما بأخذه من الكتب الصحيحة20. قوله (5أن يكون عالما باللغة العربية)أي لا بد أن يكون المجتهد عالما بالنحو واللغة العربية ويكفيه في ذلك معرفة القدر اللازم لفهم الخطاب21. قوله (6أن يكون عالما بأصول الفقه)أي لا بد أن يكون المجتهد عالما بأصول الفقه وهو القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام كما تقدم. فيحتاج إلى معرفة المجمل والمبين والظاهر والمؤول والنص والعام والخاص والمطلق والمقيد والقياس واستصحاب الحال والمصالح المرسلة والأمر والنهي والمحكم والمتشابه وما يلزمه في الحكم ومعرفة الراجح منها عند ظهور التعارض وتقديم ما يجب تقديمه منها كتقديم النص على القياس22. قوله (7أن يكون عالما بمسائل الإجماع) أي لا بد أن يكون المجتهد عالما بالمسائل المجمع عليها؛ حتى لا يخالفها ويكفيه أن يعرف أن المسألة التي يفتي فيها هل هي من المجمع عليه أم من المختلف فيهن أم هي حادثة؟23. ومن أشهر كتب الإجماع1 كتاب (الإجماع)؛ لأبي بكر ابن المنذر ت 318 هـ. 2 كتاب (مراتب الإجماع)؛ لابن حزم الظاهري ت 456 هـ. 3 كتاب (نقد مراتب الإجماع)؛ لشيخ الإسلام ابن تيمية ت 728 هـ. وممن اهتم بنقل المسائل المجمع عليها1 الإمام ابن عبدالبر ت 463 هـ في كتابيه (التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد) و(الاستذكار). 2 الإمام النووي ت 676 هـ في كتابيه (المجموع شرح المهذب) و(المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج). 3 الإمام ابن قدامة المقدسي ت 620 هـ في كتابه (المغني). قوله (8أن يكون عالما بالناسخ والمنسوخ)أي لا بد أن يكون المجتهد عالما بالناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة ويكفيه أن يعرف أن المستدل به في هذه الحادثة غير منسوخ24. ومن أشهر كتب الناسخ والمنسوخ1 كتاب (الناسخ والمنسوخ)؛ للنحاس ت 338 هـ. 2 كتاب (الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم)؛ لابن حزم الظاهري ت 456 هـ. 3 كتاب (الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم)؛ لابن العربي المالكي ت 543 هـ. 4 كتاب (نواسخ القرآن)؛ لابن الجوزي ت 587 هـ. 5 كتاب (ناسخ الحديث ومنسوخه)؛ للأثرم ت 273 هـ. 6 كتاب (الاعتبار في بيان الناسخ والمنسوخ من الآثار)؛ للحازمي ت 584 هـ. قوله (9أن يكون ذا ذكاء وفطنة)أي لا بد أن يكون المجتهد ذكيا فطنا؛ لأن هذا هو الأساس لحسن التصرف في الأدلة والاستفادة من العلوم المختلفة التي تستنبط منها الأحكام25. والفطنة الذكاء26. قوله (الضابط السادس الاجتهاد لا ينقض باجتهاد آخر)أي إذا اجتهد المجتهد في مسألة اجتهادية فقضى قضاء ثم تغير اجتهاده بعد ذلك فإنه لا ينقض حكمه السابق ولا يرجع فيه بعد نفوذه وكذلك لو انتقض اجتهاده باجتهاد مجتهد آخر؛ لأنه لو نقض الحكم الأول بالثاني لتغير اجتهاد الحاكم لوجب أن ينقض الحكم الثاني بالثالث إذا تغير اجتهاده وهلم جرا؛ كلما تغير اجتهاده حكم بحكم ونقض الذي قبله فيتسلسل النقض وتضطرب أحكام الناس لنقضها بعد ترتيبها على تلك الاجتهادات ولم يوثق بها. فإن حكم بصحة نكاح حاكم ثم تغير اجتهاده لم يفرق بين الزوجين لمصلحة الحكم27. قوله (الضابط السابع لا يجوز التقليد إلا بشرطين)أي لا يجوز لأحد أن يقلد أحدا إلا بتحقق شرطين فإن اختل أحدهما لم يجز التقليد. قوله (1أن يكون المقلد عاميا عاجزا عن فهم الدليل)فالتقليد جائز للعامي العاجز عن الاجتهاد. وأما القادر على الاجتهاد فيجوز حيث عجز عن الاجتهاد إما لتكافؤ الأدلة. وإما لضيق الوقت عن الاجتهاد. وإما لعدم ظهور دليل له. فإنه حيث عجز سقط عنه وجوب ما عجز عنه وانتقل إلى بدله وهو التقليد كما لو عجز عن الطهارة بالماء28. قوله (2أن يستفتي عالما ثقة تقيا)فلا يجوز أن يطلب الفتيا من غير عالم وإنما يجب عليه أن يستفتي العالم الثقة التقي. فإن اتبع من هو من أهل العلم والدين ولم يتبين له أن قول غيره أرجح من قوله فهو محمود يثاب لا يذم على ذلك ولا يعاقب29. فائدة متى يكون التقليد مذموما؟يكون التقليد مذموما في ثلاثة أحوالأحدها الإعراض عما أنزل الله وعدم الالتفات إليه اكتفاء بتقليد الآباء.الثاني تقليد من لا يعلم المقلد أنه أهل لأن يؤخذ بقوله.الثالث التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل على خلاف قول المقلد. والفرق بين هذا وبين النوع الأول أن الأول قلد قبل تمكنه من العلم والحجة وهذا قلد بعد ظهور الحجة له؛ فهو أولى بالذم ومعصية الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وقد ذم الله سبحانه هذه الأنواع الثلاثة من التقليد في غير موضع من كتابه كما في قول الله تعالى وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون البقرة 170. وقال تعالى وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون الزخرف 23. وقال تعالى وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون المائدة 104 وهذا في القرآن كثير يذم فيه من أعرض عما أنزله وقنع بتقليد الآباء30. الأسئلة والمناقشةأجب عن الأسئلة الآتية1 عرف كلا مما يأتي لغة واصطلاحاالاجتهاد التقليد الاتباع2 اشرح تعريف الاجتهاد في الاصطلاح.3 يشترط في المجتهد عدة شروط اشرح ذلك.4 ما الفرق بين المجتهد المطلق والمجتهد الجزئي؟5 متى يجوز التقليد؟6 ما هو التقليد المذموم؟1 انظر مختار الصحاح وتاج العروس مادة جهد.2 انظر روضة الناظر (3 959).3 انظر الصحاح مادة قلد.4 انظر شرح الكوكب المنير (4 458).5 انظر روضة الناظر (3 959).6 انظر شرح الكوكب المنير (4 458).7 انظر شرح الكوكب المنير (4 458).8 انظر التلخيص في أصول الفقه للجويني (3 423) ومذكرة في أصول الفقه صـ (373).9 انظر التلخيص في أصول الفقه للجويني (3 423) وإرشاد الفحول (2 239) ومذكرة في أصول الفقه صـ (373).10 انظر إعلام الموقعين (1 6).11 انظر السابق (1 6).12 انظر إعلام الموقعين (1 6).13 انظر روضة الناظر (3 963) ومجموع الفتاوى (20 204 212) وإعلام الموقعين (4 166).14 انظر إعلام الموقعين (4 166).15 انظر أصول الفقه؛ لعياض السلمي صـ (451).16 انظر روضة الناظر (1 220).17 انظر التحبير شرح التحرير (8 38693870).18 انظر التحبير (8 38693870) وأصول الفقه لعياض السلمي صـ (451).19 انظر روضة الناظر (3 960961).20 انظر روضة الناظر (3 961) وشرح الكوكب المنير (4 461462).21 انظر روضة الناظر (3 962).22 انظر روضة الناظر (3 960962) ومذكرة في أصول الفقه صـ (370).23 انظر روضة الناظر (3 962).24 انظر السابق (3 961).25 انظر الواضح في أصول الفقه صـ (260).26 انظر مقاييس اللغة مادة فطن.27 انظر روضة الناظر (3 1015) وشرح مختصر الروضة (3 648649).28 انظر مجموع الفتاوى (20 204 212).29 انظر السابق (20 225).30 انظر إعلام الموقعين (2 129).المؤلف د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
مقالات عشوائية