التجديد في الإسلام (3)
قد اقتضت حكمة الله أن يختم الرسالات السماوية برسالة الإسلام وقدر سبحانه أن يكتب لهذه الرسالة الخلود وجعل في هذه الرسالة عناصر البقاء. وقد جاء علماء كل عصر يحاولون استكناه هذه العناصر في الرسالة أو في حاملي هذه الرسالة ومن هؤلاء العامري (أبو الحسن محمد بن أبى ذر يوسف النيسابوري ت 381 هـ) الذي بين أنه في سبيل الإصلاح الديني أو تجديد الخطاب الديني لابد للعلماء أن تتوافر فيهم صفات خاصة هي
1 توافر الكفاية العلمية التي هي شرط ضروري وبديهي (الإعلام بمناقب الإسلام ص 86 تحقيق د. أحمد عبد الحميد غراب. ط 1387هـ 1967م. دار الكتاب العربي القاهرة).
2 التحلي بالأخلاق لدى المشتغلين بهذه العلوم. فالعالم إذا أراد أن يكون مصباحا يقتدى به في ظلمات الشبهة فلابد أن يقرن العلم بالزهد والقناعة والتواضع فإن من هزه علمه إلى الإعجاب بنفسه فقد أورثه الكبر والخيلاء (الإعلام بمناقب الإسلام ص 120).
ولاهتمام العامري بالباعث الأخلاقي لدى العلماء؛ لذا فهو يشترط في المشتغل بصناعة الحديث أن يكون صادق التحرج ظاهر العفاف سالما من الكذب بريا من التجوز (الإعلام بمناقب الإسلام ص 120).
ويرى أن مما تستصلح به صناعة الكلام أن يكون المنتمي إليها متعففا عن التدليس عند لزوم الحجة متوقيا عن التدرج إلى المغالبة والاستعلاء على الخصم بحسب الاستطالة فإنه متى لم يأخذ نفسه به يوشك أن يكون مثيرا للفتنة (الإعلام بمناقب الإسلام ص 121).
ويؤكد العامري على مسئولية الفقهاء بوجه خاص أمام المجتمع فيشترط أن يكون الفقيه شديد الحذر عن استعمال الحيل في وجوه الفتاوى غير متطلب للرخص فيما يعرض من الحوادث بل يكون فيها إلى التوقف والإحجام أسرع منه إلى التقحم والإقدام فإنه يحكم في دماء المسلمين وأموالهم وفروجهم وهي أمانة عظيمة قد التزمها ومؤونة شاقة قد انتصب للوفاء بها (الإعلام بمناقب الإسلام ص 121).
3 يدعو العامري إلى الاجتهاد ونبذ التقليد؛ لذا فهو يطلب من المحدث ألا يحمله حب التقليد لأئمة المحدثين على استشعار البغض لصناعتي الفقه والكلام (الإعلام بمناقب الإسلام ص 121). كما يشترط في المتكلم أن يكون مستنكفا عن اتباع شيوخه بحسن الظن (الإعلام بمناقب الإسلام ص 121).
وقد وضع العلماء شروطا للاجتهاد الاجتهاد على ما يفهم من كلام العلماء هو استفراغ الجهد في إدراك الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية الراجعة كلياتها إلى أربعة أقسام الكتاب والسنة والإجماع والقياس. ويفهم من هذا أنه أعم من أن يكون استفراغا في إدراك حكم ما سبق التكلم فيه من العلماء السابقين وافقهم في ذلك أو خالف ومن أن يكون ذلك بإعانة البعض في التنبيه على صور المسائل والتنبيه على مآخذ الأحكام من الأدلة التفصيلية أو بغير إعانة منه فما يظن فيمن كان موافقا لشيخه في أكثر المسائل لكنه يعرف لكل حكم دليلا ويطمئن قلبه بذلك الدليل وهو على بصيرة من أمره أنه ليس بمجتهد ظن فاسد. وكذلك ما يظن من أن المجتهد لا يوجد في هذه الأزمنة اعتمادا على الظن الأول بناء على فاسد (الشيخ أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد. ص 3. تحقيق محب الدين الخطيب. ط 1385هـ. المطبعة السلفية القاهرة) هي
أ العلم بالقرآن الكريم فالقرآن هو كلية الشريعة وعمدة الملة وينبوع الحكمة وآية الرسالة (الشاطبي الموافقات في أصول الشريعة. جـ 3. ص 346 . تحقيق الشيخ عبد الله دارز. ط 2. 1395هـ 1975م. دار الفكر العربي القاهرة).
وقد ذكر الغزالي أنه لا يشترط معرفة جميع الكتاب بل ما يتعلق بالأحكام منه وهو حوالي خمسمائة آية (انظر المستصفى. جـ 4. ص 6).
وقد علق الشوكاني على تقدير الغزالي بقوله ودعوى الانحصار في هذا المقدار إنما هي باعتبار الظاهر؛ للقطع بأن في الكتاب العزيز من الآيات التي تستخرج منها الأحكام الشرعية أضعاف أضعاف ذلك بل من له فهم صحيح وتدبر كامل يستخرج الأحكام من الآيات الواردة لمجرد القصص والأمثال (الشوكاني إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول. جـ 2. ص 1028. تحقيق الشيخ سامى بن العربي الأثري قدم له الشيخ عبد الله السعد و د. سعد بن ناصر الشثري. ط 1. 1421هـ 2000م. دار الفضيلة الرياض).
ولابد أن يكون المجتهد على اطلاع عام بمعاني القرآن كله. وقد ذكر الغزالي أنه لا يشترط فيما يطلب معرفته من الآيات حفظها عن ظهر قلب بل يكفي أن يكون عالما بمواضعها (انظر المستصفى. جـ 4. ص 6).
ولا ريب أن حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب أولى ويجعل صاحبه أقدر على استحضار الآيات المطلوبة في موضوعه بدون معاناة تذكر. كما ينبغي معرفة أسباب النزول يقول الشاطبي معرفة أسباب التنزيل لازمة لمن أراد علم القرآن (الموافقات. جـ 3. ص 347).
ب المعرفة بالسنة يقول الشوكاني واختلفوا في القدر الذي يكفي المجتهد من السنة فقيل خمسمائة حديث وهذا من أعجب ما يقال! فإن الأحاديث المأخوذ منها الأحكام الشرعية ألوف مؤلفة (انظر إرشاد الفحول. جـ 2. ص 1028).
والعلم بالسنة يقتضي الإحاطة بعلم دراية الحديث ومعرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث وقد ألفت كتب في ذلك من أفضلها كتاب الحازمي الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار. كما ينبغي الإحاطة بأسباب ورود الحديث (د. يوسف القرضاوي الاجتهاد في الشريعة الإسلامية. ص 26 28. ط 1. 1417هـ 1996م. دار القلم الكويت).
ج العلم بالعربية قال الغزالي والتخفيف فيه أنه لا يشترط أن يبلغ درجة الخليل بن أحمد والمبرد وأن يعرف جميع اللغة ويتعمق في النحو بل القدر الذى يتعلق بالكتاب والسنة ويستولي به على مواقع الخطاب ودرك دقائق المقاصد منه (انظر المستصفى. جـ 4. ص 12).
وقد ذكر الشوكاني أنه لا يشترط أن يكون حافظا لها عن ظهر قلب بل المعتبر أن يكون متمكنا من استخراجها من مؤلفات الأئمة المشتغلين بذلك بحيث يتمكن من تفسير ما ورد في الكتاب والسنة (انظر إرشاد الفحول. جـ 2. ص 1031).
د العلم بمواضع الإجماع وذلك حتى لا يخرج عما اجتمعت عليه الأمة؛ إذ لا تجتمع الأمة على ضلالة. وقد أدخل بعض البـاحثين مع شرط العلم بمواضع الإجماع العلم بمواضع الخلاف لما لها من أهمية في تكوين ملكة الفقه والاطلاع على مداركه ومسالك الاستنباط فيه (د. يوسف القرضاوي الاجتهاد في الشريعة الإسلامية. ص 39).
يقول الغزالي وأما الإجماع فينبغي أن تتميز عنده مواقع الإجماع؛ حتى لا يفتي بخلاف الإجماع (انظر المستصفى. جـ 4. ص 8).
هـ التمكن من علم أصول الفقه وهو علم ابتكره فقهاء الإسلام لإرساء قواعد الاستنباط فيما فيه نص وضبط الاستدلال فيما لا نص فيه وهو من مفاخر التراث الإسلامي. ودراسة هذا العلم والتعمق في فهمه ألزم ما يكون للمجتهد وذلك لما تعطيه دراسة أصول الفقه لمن يتصدى للاجتهاد من قدرة على الاستدلال وتمكن من الاستنباط بشروطه (د. يوسف القرضاوي الاجتهاد في الشريعة الإسلامية. ص 39).
وقد بين الفخر الرازي في المحصول أن أهم العلوم للمجتهد علم أصول الفقه (انظر المحصول في علم أصول الفقه. جـ 6 . ص 25. دراسة وتحقيق د. طه جابر العلواني. د. ت. مؤسسة الرسالة بيروت).
و الإحاطة بمقاصد الشريعة وقد بين الله سبحانه المقصد الأسمى لرسالة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين الأنبياء107.
ومقتضى الرحمة يجعلنا نؤمن بأن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والميعاد وهيى عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل ...... (ابن قيم الجوزية إعلام الموقعين عن رب العالمين . جـ 4. ص 337. تحقيق الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان . طـ 1. 1423هـ. دار ابن الجوزي الرياض).
ولقد اهتم الشاطبي رحمه الله بهذا الشرط ونوه به حتى جعله هو سبب الاجتهاد فقد جعل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين
أحدهما فهم مقاصد الشريعة على كمالها وأنها مبنية على اعتبار المصالح.
ثانيهما التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها. وقد جعل الشاطبي الثاني كالخادم للأول؛ لأن الأول هو المقصود والثاني وسيلة (ابن قيم الجوزية إعلام الموقعين عن رب العالمين . جـ 4. ص 337. تحقيق الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان . طـ 1. 1423هـ. دار ابن الجوزي الرياض).
ومما ينبغي الإشارة إليه بالنسبة للمجتهد هو معرفة الناس والحياة وهو ما يمكن أن نسميه بفقه النفس إذ لا تتصور الإحاطة بأحوال الشريعة لمن يجلس في برج عاجي لا يعرف الناس وأحوال الحياة. ولا شك أن معرفة أحوال الناس والحياة أصل عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم؛ فإن الجهل بأحوال الناس يؤدي بصاحبه إلى الإفساد أكثر من الإصلاح (ابن قيم الجوزية إعلام الموقعين عن رب العالمين. جـ 6. ص 113).
ولقد نقل ابن قيم الجوزية عن الإمام أحمد أنه قال لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال
أولها أن يكون له نية فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور.
والثانية أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة.
والثالثة أن يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته.
والرابعة الكفاية من العيش.
والخامسة معرفة الناس (ابن قيم الجوزية إعلام الموقعين عن رب العالمين. جـ 6. 105 106).
ومعرفة أحوال الناس والبصيرة بأمر الحياة ليست في الواقع من شروط الاجتهاد لكن ينبغي للمجتهد أن يحيط بأحوال الناس والحياة حتى يكون الاجتهاد واقعا في محله (د. يوسف القرضاوي الاجتهاد في الشريعة الإسلامية. ص 48).
ز العدالة والتقوى فالفاسق والمتلاعب بالدين لا يصلح للاجتهاد وهذا الشرط ليس مطلوبا لبلوغ رتبة الاجتهاد بل لقبول اجتهاد المجتهد وفتواه عند المسلمين (د. يوسف القرضاوي الاجتهاد في الشريعة الإسلامية. ص 49).
4 احترام التخصص العلمي؛ إذ لا يقوى الإنسان على ضبط جميع أقسامه (انظر الإعلام بمناقب الإسلام. ص 86).
وإذا كان العامري قد بحث تجديد الخطاب الديني من زاوية ما ينبغي أن يتحلى به العلماء فإنه ينبغي لنا أن نبحث فيه من زاوية العلوم؛ حتى تكتمل منظومة الإصلاح.
ولا شك أن الخلل الذي يعرض للعلوم إنما يعرض لها من كيفية مباحثة أهلها ومما يدخلونه على مسائلها من التفريعات أو أساليب التقرير ثم تتقرر تلك المباحثات بما يدونونه من التآليف ويرغب الطلبة في اتباعها؛ ميلا إلى سهولة الاشتغال بها فيؤول الأمر تدريجيا إلى تشتيت المقاصد من مسائل العلوم وحينئذ يعرض للعلم الاختلاط والاضطراب (الشيخ محمد الطاهر بن عاشور أليس الصبح بقريب. ص 150. ط1. 1427هـ 2006م. دار السلام القاهرة).
وقد بحث العلماء في أسباب تأخر المسلمين تأخر العلوم؛ رغبة منهم في الإصلاح وأجملوها فيما يلى
وجود مسائل تتشعب بها مسائل العلم دون جدوى وإهمال مسائل وعلوم مهمة.
وقوف كل علم عند الحد الذي تركه المتقدمون وذلك عند انطفاء مدنية الدولة الإسلامية؛ بسبب الفتن التي استأصلتها.
تداخل العلوم وربط بعضها ببعض وخصوصا علم الكلام الذي أدمجوه بكل علم؛ فنتج عن ذلك ضيق في العلوم وكثرة للخلاف.
البحث في مؤلفات العلماء السابقين لتأييد المذاهب؛ مما أدى إلى التحزب والتشرذم.
طموح النفوس إلى المشاركة في جميع العلوم؛ مما جعل التآليف خليطا من المسائل التي يتوقف بعضها على فهم بعض على نحو طريقتهم في التعليم وذلك حال دون أهل العلم ودون تحقيق علم من العلوم ينبغون فيه؛ لأن الزمان أقصر من استيفاء حاجة كل العلوم لا سيما مع اختلال التعليم.
انحصار التآليف في نقل ما مضى من غير بحث والميل إلى التقليد والتقليد ليس علما.
انقطاع العمل عن التعليم قد محا روح العلوم من الأذهان فصار العلم قواعد واصطلاحات لا يعبأ فيها بعمل.
انصباغ كثير من المسلمين في الطرق الصوفية وهذا أدى إلى تأخر العلوم؛ لأن الصوفية يحتقرون كل العلوم إلا علوم المكاشفة الصوفية.
وتعودت النفوس على قبول ما لا يفهم والاقتناع به؛ لأن في كتب التصوف رموزا ومغلقات لا دليل عليها واعتقد الناس أن من علو العلم ألا يفهمه الإنسان وأن ذلك من قصور في العقول لا العلوم.
إهمال المراقبة للعلوم حتى دخل فيها الكثير بجهل مما أدى إلى طمع من لا حظ له من العلم في التعليم؛ مما أدى إلى فساد العلوم.
سوء التفاهم الذي شاع بين المسلمين؛ مما أدى إلى التنابز والتشنيع والسباب حتى تصبح فيئة الغالط إلى الحق أشد عليه من وقع الحسام؛ مما أدى إلى الثبات على الخطأ وترك الصواب (الشيخ محمد الطاهر بن عاشور أليس الصبح بقريب. ص 154 159) والالتزام بما دعا إليه العامري مع تجنب أسباب تأخر العلوم يؤدي إلى تجديد الخطاب الديني.
مقالات عشوائية