المقالات الإسلامية المتنوعة

البناء على القبور.. الهـدم والوهم

من أعظم مكايد الشيطان التي كاد بها أكثر الناس وما نجا إلا من لم يرد الله فتنته ما أوحاه قديما وحديثا إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور حتى آل الأمر فيها إلى أن عبد أربابها من دون الله وعبدت قبورهم واتخذت أوثانا.. (إغاثة اللهفان لابن القيم 1486) والحديث عن مفاسد اتخاذ القبور مساجد وشرور وثنية الأضرحة؛ لا يكاد يحصى (كتاب الأم للشافعي 1277) فهو فوق ما يخطر بالبال أو يدور بالخيال.والذي يهمنا في هذه السطور أن نذكر بمشروعية هدم الأبنية على الأضرحة وإزالة المساجد المبنية على القبور كما ثبت في السنة النبوية وجرى عليه عمل السلف الصالح.فعن أبي الهياج الأسدي قال قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ألا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته (أخرجه مسلم). وقرر الإمام الشافعي مشروعية هدم البناء على القبور وأنه رأى الولاة في مكة يهدمون ما بني في المقابر 1.وقال ابن القيم إن حكم الإسلام في المساجد المبنية على القبور أن تهدم كلها حتى تسوى بالأرض وهي أولى بالهدم من مسجد الضرار وكذلك القباب التي على القبور يجب أن تهدم كلها؛ لأنها أسست على معصية الرسول؛ لأنه قد نهى عن البناء على القبور فبناء أسس على معصيته ومخالفته بناء غير محترم وهو أولى بالهدم من بناء الغاصب قطعا (إغاثة اللهفان لابن القيم 1327).. وقال ابن حجر الهيتمي وتجب المبادرة لهدم القباب التي هي على القبور إذ هي أضر من مسجد الضرار وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر 2 وقد هدم الحارث بن مسكين (ت 250هـ) مسجدا كان بني بين القبور (ترتيب المدارج لعياض 1332 والديباج المذهب لابن فرحون 1339). وهدم أبو إسحاق الجبيناني عينا تسمى عين العافية قد فتن الناس بها فمن تعذر عليه نكاح أو ولد مضى إليها..! فهدمها وقت السحر ثم قال اللهم إني هدمتها لك فلا ترفع لها رأسا فما رفع لها رأس إلى الآن (الباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة ص 103104).ومن جهود المتأخرين أن الأمير سعود بن عبد العزيز هدم القبة الموضوعة على قبر الحسين في كربلاء سنة 1216هـ كما هدم القباب التي بنيت على القبور في مكة حرسها الله (عنوان المجد لابن بشر 1257263). كما هدمت القباب في صنعاء في اليمن سنة 1216هـ وكذا أزيلت بعض الأبنية على القبور في مدينة بيت الفقيه باليمن سنة 1348هـ كما هدمت مشاهد وثنية في محافظة حجة سنة 1394هـ وأزيلت قباب ومشاهد في مدينة عدن سنة 1415هـ (القبورية لأحمد المعلم ص 634646). فالقدرة والاستطاعة هي منوط إزالة هذه الأبنية على القبور وموجب هدمها كما حرره ابن القيم قائلا لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوما واحدا؛ فإنها شعائر الكفر والشرك وهي أعظم المنكرات فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة ألبتة وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور (زاد المعاد 356).ومثال ذلك أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في أول أمره إذا سمع الناس يستغيثون بالشرك عند قبة قبر زيد بن الخطاب في الجبيلة بنجد فإنه يقول لهم الله خير من زيد تمرينا لهم على نفي الشرك بلين الكلام (مجموعة التوحيد ص 339) فلما صار له قوة ومنعة أزال هذه القبة بنفسه ومعه عثمان بن معمر أمير العيينة (عنوان المجد لابن بشر 139). وكما ينبغي توخي الحكمة ومراعاة قواعد المصالح والمفاسد في الاحتساب وإزالة الأوثان وهدم الأبنية على القبور؛ ينبغي الحذر من تهويل عشاق الأضرحة والمولعين بالمشاهد فطالما علا ضجيجهم بأن هذا الهدم يعد إخلالا بالأمن! وتحريكا للقلاقل! وإثارة لشغب العوام! وإيقاعا للفتن... إلخ والبلية أن فئاما من المتسننة تغشاهم هذا التهويل فصاروا سماعين مستجيبين لذلك الإرجاف.لا سيما أن إرجاف القبوريين وأشياعهم لا ينفك عن تقديس وتعظيم للأضرحة وتخويف من المساس بتلك الوثنيات ولذا فهم يبالغون في تزويق القبور وتشييد القباب وإرخاء الستور الغالية والقناديل الساطعة... لأجل أن تعمر قلوب الجهال بالتعظيم والإجلال لتلك الجيف والأوثان.ومن ثم فإن هدمها وإهانتها مطلوب شرعا ودينا فإن كل ما عظم بالباطل من مكان أو زمان أو حجر أو شجر أو بنية؛ يجب قصد إهانته كما تهان الأوثان المعبودة وإن كانت لولا عبادتها كسائر الأحجار (اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية 1477) ثم إن العزم على هدمها قد يواجه بتخويف وإرجاف من شياطين الإنس والجن وأن في ذلك انتهاكا لحرمة الأولياء ومجلبة للعقوبات والمثلات...لكن الاستعانة بالله والإقدام على هدمها؛ يبطل هذه الأراجيف والتخذيلات ويزيل الرواسب العالقة والأوهام الجاثمة في أذهان العوام فإن الذين هدموا الأوثان والأبنية على القبور قد صاروا عقب هدمها في أحسن حال وأطيب بال.ومثال ذلك العمود المخلق في دمشق فقد ذكر أبو شامة في كتابه الحوادث والبدع أن الكثير من الناس فتنوا بهذا العمود فعظموه ونذروا له (إغاثة اللهفان 1328). وكان الإمام النووي يدعو أن يهيأ الله رجلا ليكسر هذا العمود الوثني (الجامع لسيرة ابن تيمية ص 28).فعزم ابن تيمية على كسره وخرج معه أخوه عبد الله وخلق كثير فصاح الشيطان بالبلد وصدح الناس بالأراجيف وقالوا ما بقي ابن تيمية يفلح بعد أن تعرض لهذا! وتخلى أكثر الناس عن ابن تيمية وأخيه فلما وصلا إلى العمود أمرا الحجارين بتكسير العمود فجبنوا وأحجموا! فأخذ ابن تيمية وأخوه المعاول وشرعا في تكسيره ثم تابعهما الناس وما أصاب الناس من ذلك إلا الخير (الجامع لسيرة ابن تيمية ص 8081). وهدم الشيخ محمد بن عبد الوهاب قبة زيد بن الخطاب رضي الله عنه بيده لما تهيب هدمها الذين معه وانتظر الجهال ما يصيب الشيخ بسبب هدمها فأصبح في أحسن حال (عنوان المجد لابن بشر 139). والحاصل أن هناك وهما جاثما وتعظيما فاسدا لتلك الوثنيات لا سبيل إلى إزالته وطمسه إلا بمحو هذه القباب والأبنية التي على القبور كما قد شوهد وجرب فهدم الأبنية التي على القبور يستلزم محوها من القلوب ومن توخي الحكمة التواصل مع العلماء الربانيين والتنسيق مع أهل الرأي والعقلاء لدرء أكبر قدر ممكن من المفاسد والله المستعان.1 إغاثة اللهفان لابن القيم والقبورية لأحمد المعلم ومعارج الألباب لحسين النعمي ت 1187هـ كما أن له كتابا بعنوان (مدارج العبور على مفاسد القبور).2 الزواجر عن اقتراف الكبائر 1149 ويجزم محمود الألوسي (ت 1342هـ) بأن كتاب الزواجر مأخوذ من كتاب الكبائر المفقود لابن القيم.

مقالات عشوائية