المقالات الإسلامية المتنوعة

شموع الأمل

إننا نحتاج إلى شموع موقدة في حياتنا وأحلام تشرق في المآقي ولا تغرب عن المحيا فما أجمل تلك الأحلام التي لا ينضب معين جريانها في وريد القلب كأنها النبض الصادح والمتنفس والهواء والقطــر والسقــاء والروح التي لا تفارق الجسد في كل الفصول والأيام ..فلا تجعل الأمل يخبو وهج بريقه فتتلبد حياتك بغيوم القنوط واليأس وتحيا بلا ضمير ولا إيمان ولا يقين ولا دين يلزمك بتبليغ الرسالة التي لأجلها وجدت وصدق الحق سبحانه حين قال إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون يوسف 87.ولذلك حض النبي صلى الله عليه وسلم على أن نرتبط بالغايات النبيلة والمقاصد الحسنة التي لها امتداد يصل الأجيال الحاضرة بالقابلة وعلمنا أن نزرع ونبني ونؤسس ونشيد وننتج ونهيء القواعد والسواري ونرص اللبنات والبناء لمن سيتمه بعدنا وأن نربي أبناءنا على هذه القاعدة النفيسة حيث قال إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها (رواه البخاري).لا تجعل الوحدة رداءك ..فقد تخلعه روحك وتضيق به أنفاسك وتمزقه أضلاعك فتصير عاريا تبحث عن الدفء وكن بمعية الله تأنس وتسعد وبصحبته تشق دروب الطاعة حتى ترضى وتنال ما شئت وأكثر وتسطع روحك بسرج الآمال وثريات الأفراح ولا تنطفئ ويغمرك النعيم ما دمت موصولا بقربه ومستغنيا برعايته وكفايته فلا يحلو لك مجلس إلا مجلس يقربك منه ولا تتلذذ بأنس لا يوثق جوارحك بوصله المتين ولا يفتر لسانك يلهج نشوانا بعبوديتك وخضوعك وتذللك إلى من ملك قلبك وفؤادك واستحوذ على كل خلجاتك وأنفاسك وتظل تردد في سرك وجهرك قوله تعالى ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم البقرة115 وقوله عز وجل وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير الحديد4.وهذا الشعور الفريد يدعوك لسلوك سبل الاهتداء بمعية الله ويشحذ همتك على الاستغناء عن سلوك سبل الأهواء أو الانجراف وراء ما يغريك فتضل وتشقى وتلك السبل لا تؤتى إلا لمن عرف الله في سمعه وبصره وفي لسانه ومنطقه وفيما يستنشقه ويتنفسه وفياة يلمسه وتتحرك إليه خطاه وفي كل حركة من حركات حواسه ..وهذه المعرفة .. هي التي ترفعك إلى مقامات الذاكرين الله ممن استحقوا أن يكونوا في زمرة أهل الله وخاصته وممن يذكرهم الله كما جاء في الحديث القدسي أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة (رواه البخاري ومسلم).وهذه المعرفة.. هي التي ترفعك إلى مقامات عليا في الاهتداء وتصعد بك مدارج السالكين طريق الاقتداء وما كان عليه حال الرسل والأنبياء فهذا نبي الله موسى عليه السلام يقول لبني إسرائيل قال كلا إن معي ربي سيهدين  الشعراء62 وهذا حال خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم لما كان في الغار مع أبي بكر رضي الله عنه قال إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم التوبة40.وهذه المعرفة.. هي التي تجعل وجودك يكتمل بوجود من معك ولو كان وجـودا كئيبا يصيبك بسهام الضجـر ..فأطلق قيودك كي تتنفس الحياة على رحابتها واتساعها ولا تختنق في محيط ضيق وركن قصي يجعلك تشعر بالاغتراب فأنفاسك شهيق وزفير ومزيج متناغم الإطراب وتغريد صادح النبضات في شريان قلبك الهزاز ..ويكفيك أن تخلو بنفسك في لحظات أو ساعات أو أيام قصيرة من عمرك المديد كي تستنشق عبير الفصول من جديد وتبصـر ألـوان الطبيعـة فتزهر فـي عيونك أنوارهــا الساطعـة وتبدأ تكتشف أسرار حياتك وأغوار نفسـك الخفية فتنشط وتجد وتعمل وتقبل على ترتيب أوراقك في الذاكرة وتنظيم أفكارك التائهة ومشاعرك الشاردة ..وحينها ستهــدأ روحــك الثائرة وستصل من حولك برباط لا ينقطع إلا ببانقطاع أجلك لتنتقل بعدها إلى حياة النعيم المقيم والسعادة الأبدية ..فكـن جريئا في الحق صلبا في مواجهـة أقـدارك خيرها وشرها صامدا أمام كل موقف وإن كان شاقا عسيرا وتحد ضعفك وانهزامك بقوتك ورباطـة جأشـك ولا تجعـل مشاعـر الضيق تمزقـك إلى أجزاء منفصلة عن بعضها ليس لها هوية ولا خارطة ولا انتساب يضم شتاتها ويلم شعثها ..وإلا لن تحقق نجاحك ولن تبلغ منتهى آمالك ولن تفلح في ارتقاء مهد أحلامك ولن تدرك ما تطمح إليه نفسك وستظل تحترق كالشمعة وتذوب لحظة بلحظة ويوما بعد يوم حتى تتلاشى وتختفي خلف الظل ويلفك الحزن والشقاء في زمن الإعصار وعاصفة الفتن .لا تقل أنك عاجــز ..وإلا ستجد ألف سبب يدعوك لتشعر بالعجز في نفسك وسيمر أمامك شريط حياتك بطيئا وستتذكر كل أحزانك وآلامك ..فلا يظل من ذكرياتك إلا صور باللون الأبيض والأسود ومشاهد تجعلك تذرف الدمع دون توقف كأنك في حداد يلازمك وستقف في مكانك جامدا  وأوجاعك بداخلك في سعار وستضع يدك على قلبك حتى لا يقفز من صدرك من شدة ألمك ..فلا تقل أنك عاجـز .. بل قل أنت قادر على أن تصنع التغيير الذي تحلم أن تجده حولك وأن تكـون ذاك الفارس البطل الذي تفتخر به وتمجده ..فأنت على طريق الحياة ولست خارجـه وأنت جزء من حركة هذا الكون ولست جزءا جامدا كالصقيع ولست ثابتا فـي مكانـك كالصخــر لا تليـن وإذا أردت أن تفر من هذه الحياة فلن تفر منك حتى يحين الأجل فلا تجعل جوارحك تننقاد لضعفك واستسلامك ومهما تضاعفت همومك واشتدت فتذكر أن هناك من يعاني مثلك وفي صدره ما هو أكبر وأعظم وما هو أشد ضررا وأعسر امتحانا وابتلاء وكما أنك تتألم فكذلك من حولك يتألمون ويحملون أوجاعا تهد كاهلهم وتقصم ظهورهم فكأس الحياة يسقي الناس على حد سواء جرعات حلوة  وجرعات مرة  ..ولا تقل أنك لم تعد تتحمل .. لأنك فقدت طاقة إيمانك وقدرتك على التحدي والصمود ولم يتبق لك سلاح تحارب به أعداءك وخصومكفتشعر أن لا خلاص لك من هذه الخطوب المتتالية والمحن الشديدة ويلح عليك التفكير في الانتحار حتى تصل إلى مرحلة الاستسلام والخنوع فتفقد صبرك واتزانك وحكتك وتصاب بالغفلة فتنسى ما حفظته من دروس الإيمان ومن خطب ومواعظ وما تعلمت وتربيت عليه من قيم وفضائل وأخلاق وتضيع منك ذاكرة الإنسان المؤمن بأقداره والقوي بدينه لتحمل ذاكرة إنسان انهزامي يحيا بضعفه ويموت وهو يتجرع عجزه قطرة قطرة وسترى نفسك أقل شأنا وقدرا من أن تواجه مشاكلك ومعضلات عصرك وينحسر بصرك فترى أمامك الطريق مسدوداوالأمل مقطوعا ..ولكنك نسيت أن تقول .. الله أكبرونسيت أن تشعر بها .. فيهتز لها قلبك ويخفق بها نبضك وتتحرك بها جوارحك وتقوم بها وتجلس وتنام بها وتستيقظ  ..ونسيت أن تعيش الحياة وروحك تتنفس .. الله أكبرفحينها لن تشعر بأنك عاجز وإذا غلبك أمر من أمور الدنيا ستقول .. حسبي الله ونعم الوكيل مصداقا لقول الحق سبحانه وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين آل عمران146.ولما روي عن عوف بن مالك أنه حدثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بين رجلين فقال المقضي عليه لما أدبر حسبي الله ونعم الوكيل فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فإذا غلبك أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل (أبو داود وأحمد).إننا لسنا عاجزين في كل الحالات ولا في كل اللحظات ولا على امتداد  فصول العمر بل قد يكون عجزنا هو من صناعة أيدينا أو قرارا اخترناه قسرا أو قهرا أو حبا وارتضاء  ..وتظل الشدائد هي من تصنع ساعد الصمود وتظل المحن هي من تعلمنا رفع الجباه في إباء وشموخ .. وتظل الحياة هي معبر الخطى إلى جنات فيها نعيم السعادة لا يفنى ولا يزول.

مقالات عشوائية