العزوبة والعنوسة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله بلغ الرسالة وأدى الأمانة وتركنا على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبعه واقتفى أثره واستن بسنته إلى يوم الدين.أما بعدأيها الناس إن ثمة ظاهرة منتشرة ظاهرة للعيان يعش آلامها وغصصها كثير من الفيتات والفتيان بل لقد حطمت آمال وتطلعات كثير الشباب والشابات وسببت كثير من المفاسد والأخطار المدلهمات؛ إنها ظاهرة العزوبة والعنوسة.نعم إنها ظاهرة تأخر الزواج للفتيان والفتيات؛ ظاهرة لها أسباب كثيرة عامة وخاصة وعواقب وخيمة ومظاهر جلية..معاشر المسلمين وقفة نقفها مع هذه الظاهرة الخطيرة التي باتت تهدد كيان المجتمع وخاصة الشباب والفتيات..لقد أكدت دراسات اجتماعية معاصرة نسبة الإحصاءات المذهلة في بعض المجتمعات لهذه الظاهرة حيث بلغت في مجتمع واحد مليونا ونصف مليون من العوانس تنتظر كل واحدة منهن فارس أحلامها.ومن المحتمل أن يزيد العدد خلال خمس سنوات قادمة إلى أربعة ملايين أو أكثر لو استمرت معدلات الزيادة بنفس الوتيرة.ولا شك أنه مؤشر مزعج ينذر بشؤم خطير وضرر كبير ما لم تتدارك هذه الظاهرة وتشخص داء ودواء بحلول عملية تطبيقية لا نظرية فحسب.أمة الإسلام إن ظاهرة العنوسة في المجتمع وعزوف كثير من الشباب والفتيات عن الزواج له مضاره الخطيرة وعواقبه الوخيمة على الأمة بأسرها سواء أكانت هذه الأخطار والآثار نفسية أم اقتصادية أم اجتماعية أم أخلاقية وسلوكية لاسيما في هذا الزمان الذي كثرت فيه أسباب الفتن وتوفرت فيه السبل المنحرفة لقضاء الشهوة فلا عاصم من الانزلاق في مهاوي الرذيلة والردى والفساد الأخلاقي إلا التحصن بالزواج الشرعي.معاشر المسلمين وإذا التمست أسباب هذه الظاهرة نجد أن جملة منها لا تعدو أن تكون رواسب مرحلة تأريخية مرت بها كثير من المجتمعات الإسلامية أعقبها غزو فكري كانت له آثار خطيرة على الأوضاع الاجتماعية في الأمة مما أفرز عوامل نفسية وثقافية واقتصادية منها ما يرجع إلى الشباب والفتيات ومنها ما يرجع إلى الأولياء ومنها ما يعود إلى المجتمع بأسره.فأما الشباب والفتيات فبعضهم يتعلق بآمال وأحلام وخيالات وأوهام وطموحات ومثاليات هي في الحقيقة من الشيطان فبعضهم يتعلق بحجة إكمال الدراسة زاعمين أن الزواج يحول بينهم وبين ما يرومون من مواصلة التحصيل فمتى كان الزواج عائقا عن التحصيل العلمي؟! بل لقد ثبت بالتجربة والواقع أن الزواج الموفق يعين على تفرغ الذهن وصفاء النفس وراحة الفكر وأنس الضمير والخاطر ونقولها بصراحة ماذا تنفع المرأة بالذات شهاداتها العليا إذا بقيت عانسا قد فاتها ركب الزواج وأصبحت أيما لم تسعد في حياتها بزوج وأولاد يكونون لها زينة في الحياة وذخرا لها بعد الوفاة وكم من امرأة فاتها قطار الزواج وذهبت نضارتها وذبلت زهرتها وتمنت بعد ذلك تمزيق شهاداتها لتسمع كلمة الأمومة على لسان وليدها ولكن بعد فوات الأوان وكم هي الصيحات والزفرات الحراء التي أطلقت من المجربات فأين المتعقلات؟!إن هذه المشكلة ومثيلاتها مردها إلى غبش في التصور وخلل في التفكير بل لا نبالغ إذا قلنا إنها إفراز ضعف المعتقد وقلة الديانة والخلل في الموازين وسوء الفهم لأحكام ومقاصد الشريعة الغراء إنه النظر المشوش حول المستقبل والتخوف الذي لا مبرر له والاعتماد على المناصب والماديات والتعلق بالوظائف والشهادات وتأمين فرص العمل زعموا مما يزعزع الثقة بالله والرضا بقضائه وقدره ويضعف النظر المتبصر والفكر المتعقل.إن حقا على الشباب والفتيات أن يبادروا عمليا إلى الزواج متى ما تيسر لهم أمره وأن لا يتعلقوا بأمور مثالية تكون حجر عثرة بينهم وبين ما ينشدون من سعادة وفلاح ويقصدون من خير ونجاح وأن لا يتذرعوا بما يعبر عنه بتأمين المستقبل فالله عز وجل يقول وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم 1 ويقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لو لم يبق من أجلي إلا عشرة أيام أعلم أني أموت في آخرها ولي طول على النكاح لتزوجت مخافة الفتنة 2 ويقول الإمام أحمد رحمه الله ليست العزوبة من أمر الإسلام في شيء ومن دعاك إلى غير الزواج دعاك إلى غير الإسلام3.إخوة الإيمان ومن الأسباب الخطيرة في انتشار هذه الظاهرة واستفحالها عضل النساء من زواج الأكفاء والرسول صلى الله عليه وسلم يقول (إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض) خرجه الترمذي وابن ماجه والحاكم بسند صحيح4.فهناك بعض الأولياء هداهم الله قد خانوا الأمانة التي حملوها في بناتهم وفتياتهم بمنعهن من الزواج من الأكفاء دينا وخلقا وأمانة فقد يتقدم إليهم الخاطب الكفء فيماطلونه ويعتذرون له بأعذار واهية وينظرون فيه إلى أمور شكلية وجوانب كمالية ويسألون عن ماله ووظيفته ووجاهته ومكانته ويغفلون أمر دينه وخلقه وأمانته.بل لقد وصل ببعض الأولياء الجشع والطمع أن يعرض ابنته سلعة للمساومة وتجارة للمزايدة والعياذ بالله وما درى هؤلاء المساكين أن هذا عضل وظلم وخيانة وقد تكون مدرسة وموظفة فيطمع في مرتبها ألم يعلم هؤلاء بالاعترافات والقصص الواقعية لضحايا هذه الظاهرة؟! ألم يسمعوا الرسائل المؤلمة المفجعة التي سطرتها دموع هؤلاء؟! إنها صرخة نذير في آذان الآباء والأولياء ورسالة عاجلة إليهم أن يتداركوا شرفهم وعفتهم وعرضهم قبل فوات الأوان. أين الرحمة في هؤلاء الأولياء؟! كيف لا يفكرون بالعواقب؟! أيسرهم أن تلطخ سمعتهم مما يندى له جبين الفضيلة والحياء؟! سبحان الله كيف يجرؤ مسلم غيور يعلم فطرة المرأة وغريزتها على الحكم عليها بالسجن المؤبد إلى ما شاء الله؟! ولو عقل هؤلاء لبحثوا هم لبناتهم عن الأزواج الأكفاء فهذا عمر رضي الله عنه يعرض ابنته حفصة على أبي بكر ليتزوجها ثم على عثمان رضي الله عنهم أجمعين5 وهذا سعيد بن المسيب رحمه الله يزوج تلميذه أبا وداعة6 وهذا ديدن السلف في عصورهم الزاهية.إن تضييق فرص الزواج علة خراب الديار به تقض المضاجع وبه تكون الديار بلاقع7 وبه يقتل العفاف وتوأد الفضائل وتسود الرذائل وتهتك الحرمات وتنتشر الخبائث والسوآت.فيا أيها الأولياء اتقوا الله فيمن تحت أيديكم من البنات بادروا بتزويجهن متى ما تقدم الأكفاء في دينهم وأخلاقهم (إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)8.وعضل النساء ورد الأكفاء فيه جناية على النفس وعلى الفتاة وعلى الخاطب وعلى المجتمع برمته والمعيار كفاءة الدين وكرم العنصر وطيب الأرومة9 وزكاء المعدن وسلامة المحضن وحسن المنبت وصدق التوجه (فاظفر بذات الدين تربت يداك)10.أمة الخير والفضيلة وسبب آخر لا يقل أهمية عن سابقه ألا وهو مشكلة غلاء المهور والمبالغة في الصداق في بعض الأوساط حتى صار الزواج عند بعض الناس من الأمور المستحيلة وبلغ المهر في بعض البقاع حدا خياليا لا يطاق إلا بجبال من الديون التي تثقل كاهل الزوج.ويؤسف كل غيور أن يصل الجشع ببعض الأولياء أن يطلب مهرا باهظا من أناس يعلم الله حالهم لو جلسوا شطر حياتهم في جمعه لما استطاعوا فيا سبحان الله ءإلى هذا الحد بلغ الطمع وحب الدنيا ببعض الناس؟! وكيف تعرض المرأة الحرة الكريمة المحصنة العفيفة سلعة للبيع والمزايدة وهي أكرم من ذلك كله؟! حتى غدت كثيرات مخدرات في البيوت حبيسات في المنازل بسبب ذلك التعنت والتصرف الأرعن11.إن المهر في الزواج يا رعاكم الله وسيلة لا غاية وإن المغالاة فيه لها آثار سيئة على الأفراد والمجتمعات لا تخفى على العقلاء؛ من تعطيل الزواج أو الزواج من مجتمعات أخرى مخالفة للمجتمعات المحافظة مما له عواقب وخيمة فرب لذة ساعة تعقبها حسرات إلى قيام الساعة.ولم يقف الجشع ببعض الناس عند هذا الحد بل تعداه إلى ما هو أبعد من ذلك مما هو خروج عن منهج السلف الصالح رحمهم الله يقول الفاروق رضي الله عنه ألا لا تغالوا في صداق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى في الآخرة لكان النبي أولاكم بها12..وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم رجلا بما معه من القرآن13 وقال لرجل (التمس ولو خاتما من حديد)14 وتزوج عبد الرحمن بن عوف على وزن نواه من ذهب15.أمة الإسلام وعامل مهم في رواج هذه الظاهرة ألا وهو ما أحيطت به بعض الزيجات16 من تكاليف باهظة ونفقات مذهلة وعادات اجتماعية وتقاليد وأعراف جاهلية فرضها كثير من الناس على أنفسهم تقليدا وتبعية مفاخرة ومباهاة إسرافا وتبذيرا فلماذا كل هذا يا أمة الإسلام؟!.يارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم قلت ما سمعتم واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.الخطبة الثانيةالحمد الله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه ومن والاه..أما بعدأيها الإخوة الفضلاء شخصنا فيما مضى الداء وفيما يلي نصف الدواء.أيها المؤمنون إن الحل والعلاج لظاهرة العزوبة والعنوسة في المجتمع يكمن في تقوية البناء العقدي في الأمة والتربية الإيمانية للأجيال من الفتيان والفتيات وتكثيف القيم الأخلاقية في المجتمع لاسيما في البيت والأسرة ومعالجة الأزمات والعواصف والزوابع التي تهدد كيان المجتمع وتيسير أمور الزواج وتخفيف المهور وتزويج الأكفاء وترسيخ المعايير الشرعية لاختيار الزوجين ومجانبة الأعراف والعادات والتقاليد الموروثة والدخيلة وتحقيق التعاون بين أبناء المجتمع وكذا قيام وسائل الإعلام بواجبها التربوي والتوجيهي..ينبغي العناية بجمعيات إعانة الشباب على الزواج والدلالة عليه ومنحها فرصا كبرى في أداء مهمتها العظمى وكذا دعم ذوي اليسار لها وأن يكون الوجهاء قدوة لغيرهم في هذا المجال وكذا الاهتمام بالقضايا الاجتماعية عبر مؤسسات خيرية كبرى وهيئات خيرية عليا.وثمت موضوع في علاج هذه الظاهرة ألا وهو ضرورة أن تعيد المجتمعات النظر في قضية تعدد الزوجات على حسب الضوابط الشرعية ومراعاة الحكمة التشريعية فمن للعوانس والأرامل والمطلقات وذوات الأعذار والاحتياجات الخاصة؟! إنه تعدد المودة والرحمة والإحسان والعدل لا الظلم والتسلط والحيف والجور لاسيما للزوجة الأولى وكم يسمع من الشكاوى في ذلك17.وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( من كان له زوجتان فمال إلى إحداهما دون الأخرى جاء يوم القيامة وشقه مائل ) أي ساقط. رواه أحمد وأصحاب السنن18.هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال عز من قائل إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما 19.اللهم صلي وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله وارض اللهم عن خلفائه الكرام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين.1 النور32).2 أخرجه عبد الرزاق (6170) عن معمر عن أبي إسحاق عنه وسعيد بن منصور في سننه (493) عن أبي عوانة عن المغيرة عن إبراهيم عنه وعزاه الهيثمي في المجمع (4251) إلى الطبراني وقال فيه عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي وهو ثقة ولكنه اختلط وبقية رجاله رجال الصحيح فالأثر بهذه الطرق ثابت..3 انظر المغني لابن قدامة (9 341).4 أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة وحسنه الألباني في الصحيحة (1022) لكثرة شواهده..5 القصة أخرجها البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.6 انظر القصة في الحلية لأبي نعيم (2167 ـ 168) والسير للذهبي (4233 ـ 234).7 البلاقع جمع بلقع وهي الأرض القفر.8 رواه ابن ماجه والترمذي وقال الألباني حسن.9 الأرومة بفتح الهمزة وضمها الأصل.10 أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.11 الأرعن الأهوج والأحمق.12 أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي في النكاح وابن ماجه وقال الترمذي حديث حسن صحيح وصححه ابن حبان وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (1852).13 أخرجه البخاري ومسلم من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه..14 أخرجه البخاري ومسلم.15 أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.16 الزيجات أي الزواجات.17 ينظر موسوعة لخطب والدروس..18 أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة وهو في صحيح الترمذي (912).19 الأحزاب(56).
مقالات عشوائية