المقالات الإسلامية المتنوعة

ضيق الصدر وانشراحه عند ابن القيم - إسلام أون لاين

ضيق الصدر وانشراحه عند ابن القيم - إسلام أون لاين

ذكر ابن القيم في بيان المقصود بانشراح الصدر وعلاقته بالإيمان ونور الهداية، وأن حياة القلب وصحته وطهارته مرتبط بالإيمان ونوره على النفس وثمراته، وعكسه ضيق الصدر وقسوته، ووضح أسباب وجود انشراح القلب وضيقه من خلال قوله تعالى (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين﴾ [الزمر ٢٢]، ويقول الله تعالى: ﴿‌فَمَنْ ‌يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 125].

يقول ابن القيم: أهل الإيمان في النور وانشراح الصدور واتساعه وانفساحه، وأهل الضلال في الظلمة وضيق الصدور والحرج، والمقصود: أن حياة القلب وإضاءته مادة كل خير فيه، وموته وظلمته مادة كل شر فيه.

وزاد ابن القيم أن قساوة القلب عقوبة من الله تعالى وعذاب يضربه الله على الكفار، فقال: ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عَن الله. خلقت النّار لإذابة القُلُوب القاسية. أبعد القُلُوب من الله القلب القاسي، وإذا قسا القلب قحطت العين.

ثم ذكر أسباب قسوة القلب المؤدية إلى ضيق القلب وانقباضه وما يجلب على المرء من ضيق العيش والضنك، قال ابن القيم: “قسوة القلب من أرْبَعَة أشْياء، إذا جاوَزت قدر الحاجة الأكل والنَّوْم والكَلام والمخالطة، كَما أن البدن إذا مرض لم ينفع فِيهِ الطَّعام والشراب، فَكَذَلِك القلب إذا مرض بالشهوات لم تنجع فِيهِ المواعظ.

ثم قال:

من أرادَ صفاء قلبه فليؤثر الله على شَهْوَته. القُلُوب المُتَعَلّقَة بالشهوات محجوبة عَن الله بِقدر تعلقها بها. القُلُوب آنِية الله في أرضه فأحبها إلَيْهِ أرقها وأصلبها وأصفاها. شغلوا قُلُوبهم بالدنيا ولَو شغلوها بِالله والدّار الآخِرَة لجالت في مَعاني كَلامه وآياته المشهودة، ورجعت إلى أصْحابها بِغَرائِب الحكم وطرف الفَوائِد.إذا غذي القلب بالتذكر وسقي بالتفكّر ونقي من الدغل رأى العَجائِب، وألهم الحِكْمَة لَيْسَ كل من تحلى بالمعرفة والحكمَة وانتحلها كانَ من أهلها بل أهل المعرفَة والحكمَة الَّذين أحيوا قُلُوبهم بقتل الهوى.وَأما من قتل قلبه فأحيى الهوى المعرفَة والحكمَة عارِية على لِسانه.خراب القلب من الأمْن والغفلة، وعمارته من الخشية والذكر.إذا زهدت القُلُوب في مَوائِد الدُّنْيا قعدت على مَوائِد الآخِرَة بَين أهل تِلْكَ الدعْوَة، وإذا رضيت بموائد الدُّنْيا فاتتها تِلْكَ الموائد.من ترك الاختيارَ والتدبيرَ في طلب زيادة دُنيا أو جاهٍ أو في خوف نقصان أو في التخلُّص من عدوٍّ توكُلًا على الله وثقةً بتدبيره له وحسن اختياره له، فألقى كنفَهُ بين يديه، وسلَّم الأمرَ إليه، ورضي بما يقضيه له؛ استراح من الهموم والغُموم والأحزان. ومن أبى إلَّا تدبيرَهُ لنفسه؛ وقعَ في النَّكَدِ والنَّصَبِ وسوء الحال والتعب؛ فلا عيشَ يصفو، ولا قلبَ يفرح، ولا عملَ يزكو، ولا أملَ يقوم، ولا راحةَ تدومُ. والله سبحانه سهَل لخلقه السبيلَ إليه، وحجبَهم عنه بالتدبير؛ فمن رضي بتدبير الله له وسكنَ إلى اختياره وسلَّم لحُكمه؛ أزالَ ذلك الحجاب، فأفضى القلبُ إلى ربِّه واطمأنَّ إليه وسكن[1].

ثم ذكر ابن القيم بأن للقلب سِتَّة مَواطِن يجول فِيها لا سابِع لَها ثَلاثَة سافلة، وثَلاثَة عالية.

فالمواطن السافلة: دنيا تزين لَهُ ونَفس تحدثه، وعدو يوسوس لَهُ فَهَذِهِ مَواطِن الأرْواح السافلة الَّتِي لا تزال تجول فِيها.والثَّلاثَة العالِيَة علم يتَبَيَّن لَهُ، وعقل يرشده، وإله يعبده. والقلوب جوّالة في هَذِه المواطن.ما هي أسباب شرح الصدر؟ثم فصل ابن القيم في أسْبابِ شرح الصدر وحصول النبي ﷺ أكمل المنازل فيها، فقال:
1- أعظم أسباب شرح الصدر هو التوحيد، وعلى حسب كماله وقوته وزيادته يكون انشراحُ صدر صاحبه. قال تعالى: {‌أَفَمَنْ ‌شَرَحَ ‌اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} [الزمر: 22]. وقال تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام: 125]. فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر، والشرك والضلال من أعظم أسباب ضِيق الصدر وانحراجه.

مقالات عشوائية