المقالات الإسلامية المتنوعة

ليس بالشغف وحده يحيا الإنسان

أغلب مشاريع حياتنا التي لا تدوم ولا تتم مشكلتها الكبرى في اعتمادها فقط على الشغفإن وجد الشغف أقدمت واجتهدت وتحمست ثم ماذا بعد؟سيخبو الشغف فهل ستكمل؟هل ستستمر وتداوم؟تدرك جيدا أنك في سن صارت الرياضة حتمية لتستمر في التقاط أنفاسك وممارسة عملك بشكل معقول من دون مفاجآت مؤسفةتتحمس في البدايةتلتحق بأقرب (جيم) وربما تدفع اشتراك عام كامل ولو أنك ميسور ربما تشتري أجهزة رياضية باهظةوتبدأ في حماس تغبط عليهلكن ماذا عن هذا (الكرش) البارز الذي يعوق رؤيتك لقدميك أثناء ممارسة رياضة الجري ويؤثر على لياقتكلابد من التخلص منه بسرعةإنها الحمية القاسية إذافلنسارع إلى أقرب أخصائي تغذيةلابد من السيطرة على تلك الكميات المخيفة من النشويات والدهون التي نلتهمها يومياالهدف عظيم ولابد من تحقيقهثم ماذا؟عدة مرات ويخبو الشغفتخفت جذوة الحماسة مع أول أو ثاني وليمة دسمة يدعى إليهالقد ثقلت الرأس لاداعي اليوم للرياضة فلنكمل غداأو بعد غدأو الشهر القادمالاشتراك مدفوع والأجهزة لن تطير والريجيم صار لعبتكوالهدف نبيل وسنحققه لكن لا داعي للعجلةوهذا ما لا يحدث للأسفلم تخب القناعة ولم تتغير صحة الفكرةلكنك ربطتها بالشغففلما ذهب ذهبتتلك هي المشكلةكنت مستعدا للتضحية بكل شيء لتتزوجهاوهي الأخرى كانت لا تستطيع تخيل حياتها من دونكتخطيتما كل العقبات وتزوجتماودامت السعادة أيام وربما شهورا أو سنواتثم فجأة تنظر إليها بدهشة وتنظر هي إليك بذهولمن هذا؟من هذه؟أيعقل أنهما ذات الزوجين السعيديننعم هما لكنه الشغف من جديدقد زال أو كادوتبقت الاختلافات التي تكون بين كل البشروتبدت العيوب التي لا يخلو من بعضها مخلوقوما البأس؟كره منها خلقا وكرهت فيه صفة ألم يجد كل منهما أخلاقا أخرى وصفات ترضيه؟لماذا لم يستطيعا الإكمال لأجل كثير من المشتركات؟أويعقل بعد كل تلك التضحيات وهذه المشاعر الجارفة أن ينتهي الأمر بطلاق وأن يهدم البيت الذي قام على شغف كل منهما بالآخر؟إنها المشكلة نفسهاربط الاستمرار بالشغف سأغير مساري المهني ماذا تقول؟ هل فكرت جيدا؟ ستضحي بكل سنوات دراستك المجال الذي أنت مقبل عليه لا علاقة له من قريب أو بعيد بتخصصك وخبرتك وما تعلمته في السنين الماضيةلا بأس من التغيير لكن لا تتسرعهل تتذكر كيف نصحت حين اتخذت ذلك القرار الحاسم؟ هل تذكر إجابتك في ذلك الحين؟ يا أعزائي المهم الشغفلابد أن أتبع شغفيحسنا ها قد فعلت ولا تثريب عليكلكن لماذا توقفت؟ لماذا نقضت غزلك من بعد قوة أنكاثا؟ لقد كاد عملك الجديد أن يزدهر ويعوض خسارتك لعملك الآمن الذي تركته بإرادتكأنت الآن كمن لم يطل بلح الشام ولا عنب اليمنوالسبب هو نفسه في كل مرةزال شغفك فقررت التوقفسيحفظ القرآنصفحة يوميا وسيتمه بعد أقل من عامينيا لها من صفقة رابحةلا... فلنكن واقعيينفلنجعلها نصف صفحة فلا أحد يطاردنا أو يضغط علينافلنجعلها آية يومياأي شيءأين ذهبت؟لماذا لم تكمل؟معقول.. أهو الشغف مرة أخرى؟حتى في هذا! حتى الطاعة سنربطها بالشغف؟حتى الفضل العظيم والقربات المجمع على أهميتها وعلو قدرها سنجعلها مرتهنة بحماسة مؤقتة؟أي منطق هذا؟ وأي عقل يفكر بهذه الطريقةوماذا لو لم يأت الشغف؟!ماذا لو فقد؟!هنا لا يمكن الحديث إلا عن القيمة الأهم والتي حث عليها نبينا في كلمات موجزة جامعةقيمة المداومةخير الأعمال أدومها... وإن قل العبرة ليست فقط في الكم ولا الإثارة والمتعة المصاحبةالعبرة في الثباتفي المسؤوليةفي الحرص على ما ينفع حتى لو لم تستمتعمن هنا يبرز الوقود الأهم للحياة والمعيار الذي يتحدد عليه الثبات والمداومةالإخلاصنعم... الإخلاص هو معيار الثبات والاستمرار الأهمأن يدرك المرء لماذا يفعل هذا الشيء أو ذاكأن تبدو له القيمة الكائنة وراء الأشياءأن يستشرف الأهداف العظيمة والغايات النبيلة والنيات الشريفة التي يؤدي إليها عملهعندئذ يثبت حتى لو لم يعشق ولم يحرك الشغف قلبهوهذا هو رجل أو امرأة المهام الصعبةهذا هو من يعتمد عليه حقافلئن كان الشغف هو وقود الحياة وسر بهجتها ولذتها واستشعار جمالها فالإخلاص هو وقود استمراريتها وسر الإكمال في طريقها حتى لو لم يوجد الشغفبالإخلاص نفرق بين الصادق والكاذببين الناضج والأرعن بين من يستطيع تحمل المسؤولية ومن لا يعتمد عليهبين العاقل الذي يدرك أهمية الأشياء وخطورتها بغض النظر عن لذتها ومتعتها وبين الشخص الهوائي أو المزاجي الذي لا يتحرك إلا بقلبه وحسبوالحقيقة أن الإخلاص ليس نقيضا للشغف أو مضادا له وكم من شغوفين كان إخلاصهم وقودا لشغفهم كما كان شغفهم مجددا لإخلاصهملكن تخيل شخصا ربط كل حياته بوجود الشغف وحسب فلما رحل عن علاقته بزوجته مثلا كما ذكرنا رحل هو معه ولم يلتفت إلى بيته أو أبنائه أو تلك القيمة العظمى التي بناها عبر سنواتقيمة الأسرةفي هذا السياق سياق الحديث عن الزواج تبرز الآية الجامعة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا سورة النساء 19تأمل... هذا النموذج لم يفقد الشغف وحسب بل حلت الكراهية ومع ذلك لم يكن التوجيه الرباني الأول هو الانفصال ولكن تمت الإشارة إلى أهمية الاعتبارات الأخرى حتى لو لم يدرك المرء بعضهااعتبارات الخير الذي يلوح في الأفقوهذا ما يستشرفه المخلصونأولئك الذين يدركون حقائق الأشياء ويبتغونها حتى إن لم تعجل لهم لذاتها لأنهم ببساطة يدركون الحقيقةحقيقة أنه ليس بالشغف وحده يحيا الإنسانوليس بزواله تتغير الأشياء أو تفقد قيمتها

مقالات عشوائية