يعتبرالشيخ الطيب العقبي علم من أعلام الجزائر وواحد من أكبر علمائها وأشهر دعاتها، ورمز من رموز الدعوة فيها، وذلك بشهادة أنصاره ومحبيه وباعتراف أعدائه ومخالفيه. فهومن أعمدة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأحد رواد النهضة وأركان الإصلاح في الجزائر إبان الحقبة الإستعمارية التي امتدت لأكثر من 132 سنة. كان صاحب مواقف قوية ضد الشرك والبدع والخرافات، حتى كان الطرقيون والمبتدعة يطلقون على دعاة التوحيد لقب “عقبي” !!
كان “العقبي” من الأعضاء المؤسسين لجمعية العلماء، وكان له نشاط كبير في الدعوة حيث كان يتردد على الأماكن العامة للدعوة إلى الله، وقد هدى الله على يديه خلق كثير. عُرف بالجرأة على قول الحق ولا يخاف في ذلك لومة لائم، وبالإضافة إلى نشاطه في مجال الصحافة، كان قلمه سيالا بكثرة مقالاته في جريدة الشهاب والبصائر التابعتين لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
مولده ونشأتههو الطيب بن محمد بن إبراهيم “العقبي”، ولد بولاية “بسكرة” في شهر شوال سنة 1307هـ الموافق لـ 1890م في الجزائر بضواحي بلدة “سيدي عقبة”، التي سميت بهذا الإسم نسبة إلى الفاتح عقبة بن نافع الفهري القرشي الذي وصل إلى المنطقة أثناء الفتوحات الإسلامية في القرن السابع الميلادي حيث بُنى على ضريحه مسجدا و حوله الأحياء العتيقة للمدينة، التي أقيمت على بضعة كيلومترات من قرية “تهودة” وهو اسم المعركة التي استشهد فيها الفاتح عقبة بن نافع رفقة أكثر من 300 من الصحابة والتابعين. وقد أنشئ بالمدينة معلم ديني وصرح علمي هو عبارة عن مركب إسلامي للتكوين العلمي الإسلامي لا يزال قطبا يتخرج منه سنويا مئات الأساتذة والدعاة والمؤطرين الدينين. ويكفي العلامة الطيب العقبي شرفا أنه ينتسب لهذه المدينة العريقة، فاقترن اسمه بها، فيقال له “العقبي” نسبة لسيدي عقبة.
رحلة الحجازهاجرت أسرته إلى الحجاز سنة 1313هـ أثناء حملات الهجرة بسبب محاولة فرض الاستعمار التجنيد الإجباري على الجزائريين في صفوف الجيش الفرنسي، ثم في سكنت عائلته المدينة النبوية في أول سنة 1314هـ /1895م، ولايزال بعض أقاربه في السعودية إلى يوما هذا ويحملون جنسيتها. كما يوجد في المدينة المنورة قبر أبويه وعمه وعم والده وأخته، وجل من هاجر من أفراد عائلته، كلهم دفنوا هناك ببقيع الغرقد رحمة الله عليهم، وقد توفي والده وهو في الثالثة عشر، فتربى في حجر أمه، وقد سخر الله له شقيقه الأصغر حيث كان هو من يقوم بقضاء ما يلزم من الضروريات المنزلية فتفرغ للعلم.
حفظ الطيب العقبي القرآن الكريم وتعلم أصول الفقه والسيرة النبوية على يد أساتذة كان يحضر دروسهم بالحرم النبوي، مثل الشيخ محمد بن عبد الله زيدان الشنقيطي الذي أخذ عنه الأدب والسيرة، والشيخ حمدان الونيسي والذي كان من أبرز العلماء السلفيين في الجزائر وكان مربي الشيخ عبد الحميد ابن باديس رائد النهضة الإصلاحية في الجزائر.
لم يلتقى “العقبي” في المدينة المنورة بعلماء أجلاء في العالم الإسلامي فحسب، بل التقى أيضا بعلماء الجزائر،أمثال الشيخ عبد الحميد ابن باديس والشيخ البشير الإبراهيمي، وقد نبغ في العلم برغم عدم انتظام دراسته في معاهد علمية، وتميز في نظم الشعر والأدب، ثم عمل بالتدريس، وبدأ مسيرته الإصلاحية بالكتابة في الصحف الحجازية داعيا للإصلاح والعمل فلقيت مقالاته قبولاً عند المسلمين وفتحت له صداقة ومراسلة مع بعض المصلحين المعروفين كشكيب أرسلان ومحبّ الدين الخطيب، وأصبح من أنصار ودعاة فكرة الجامعة الإسلامية ضد أنصار الاستعمار والقوميات الضيقة كحزب الاتحاد والترقي، وبذلك ترسخ منهجه السلفي الإصلاحي وانتشر صيته ودوره بين المصلحين والنهضويين.
ولهذا قام ساسة ورجال حزب “تركيا الفتاة” بنفيه إلى شبه الجزيرة التركية لأكثر من سنتين، عقب ثورة الشريف حسين بسبب مقالاته في الصحف ولعدم تعاونه معهم، وقد لحقت به عائلته بعد خراب المدينة، وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عاد إلى مكة المكرمة، فأكرمه الشريف حسين وتولى رئاسة تحرير جريدة “القبلة” وإدارة “المطبعة الأميرية” في مكة خلفا للعلامة محب الدين الخطيب.
رجوعه إلى الجزائررجع الشيخ العقبي إلى الجزائر في مارس 1920 بنية حماية أملاك عائلته من الإعتداء عليها، ثم الرجوع إلى الحجاز. لكن لم يكتب له العودة للحجاز وبقي في الجزائر، وقد جوبه بمعاملة قاسية من الاستعمار الفرنسي إذ عاملوه معاملة مهينة واستقبلوه باعتقال لنحو شهرين واستجواب وتفتيش ووضع تحت المراقبة!
ثم اصطدم العقبي بالجهلة والمزيفين من أهل العلم فأثرت على نفسيته فانزوى وانقطع عن العلم والكتابة في الصحف، وحين كتب بعد عدة سنوات بعض الآراء والأفكار في مسائل تخص العلم والدين ثارت ثائرة الجامدين ضده.
وقد عاد العقبي للجزائر بشخصية حجازية في ملبسه ومنطقه وفكره، وبقي يحنّ للحجاز والعودة إليهم، وقد وصف الشيخ ابن باديس حنين العقبي للحجاز أثناء سفرهم إلى باريس ضمن وفد المؤتمر الإسلامي، في سنة 1936م وهم على متن السفينة التي تقلّهم قائلا: “فلما ترنحت السفينة على الأمواج وهبّ النسيم العليل هب العقبي الشاعر من رقدته وأخذ يشنف أسماعنا بأشعاره ويطربنا بنغمته الحجازية مرة والنجدية أخرى ويرتجل البيتين والثلاثة، وهاج بالرجل الشوق إلى الحجاز فلو ملك قيادة الباخرة لما سار بها إلا إلى جدة، وإن رجلا يحمل ذلك الشوق كله للحجاز ثم يكبته ويصبر على بلاء الجزائر وويلاتها ومظالمها لرجل ضحّى في سبيل الجزائر أي تضحية”.
الاستعمار ونشاط العقبي الدعويعندما رجع العقبي إلى الجزائر أقام بمنطقة بسكرة، وكانت دروسه العلمية والوعظية لطلبة العلم والعامة في مسجد “بكّار” بقلب المدينة والذي لم يكن يخضع للطريقة التيجانية، فكان يدرّس كتاب الجوهر المكنون وكتاب القطر في النحو، ودرس في التفسير للعامة من تفسير المنار، وكان يعقد مجالس أدبية يحضرها أدباء ومثقفون أمثال الأمين العمودي وشاعر الجزائر الأول محمد العيد آل خليفة.
وبسبب هذا النشاط كانت السلطات الفرنسية تقوم باعتقاله من حين لآخر، فعاد أقوى مما كان في الدعوة للتوحيد والأخلاق الفاضلة وحرب الطرقية والخرافات، في المساجد والصحف التي يشرف عليها العلامة ابن باديس مثل “المنتقد” و”الشهاب” وكانت مقالاته من المقالات الهامة فيهما، فتجمع حوله مجموعة من الأدباء والمصلحين، وتحالف ضده الطرقيون الخرافيون والجامدون، الذين طلبوا من ابن باديس أن يوقف هذه المقالات، فاختلف الرجلان في طرائقهم في الدعوة والإصلاح.
ومن ثم سعى العقبي لتأسيس مجلة له في بسكرة اسماها “صدى الصحراء” في ديسمبر 1925م، ثم انفرد بتأسيس جريدة “الإصلاح” في سبتمبر 1927م، وقد صدر منها 14 عددا فقط قبل توقفها سلطة الاستعمار الفرنسي في 1928م.
ويظهر اهتمام العقبي بالصحف كان بسبب رؤية عميقة لدور الإعلام في نهضة الأمة، يقول العقبي في جريدة “المنتقد” “إن الجرائد في الأعصر الأخيرة هي مبدأ نهضة الشعوب، والعامل القوي في رقيّها، والحبل المتين في اتصال أفرادها، والسبب الأول في تقدمها، والصحافة هي المدرسة السيارة والواعظ البليغ، وهي الخطيب المصقع والنذير العريان لذوي الكسل والبطالة، وهي سلاح الضعيف ضد القوي، ونصرة من لا ناصر له، وهي تأخذ الحق وتعطيه، وترمي الغرض فلا تخطيه وهي المحامي القدير عن كل قضية حق وعدل”.
تأسيس جمعية العلماء المسلمينكان العقبي بما له من دور بارز وهام في حمل راية الإصلاح والدعوة والتوحيد في الجزائر من المؤسسين البارزين لجمعية العلماء، ولذلك انتخب ضمن مجلس إدارتها. كما عُين نائب الكاتب العام وممثلها في عمالة الجزائر، وتولى رئاسة تحرير صحف الجمعية (السنة والشريعة والصراط)، ثم جريدة “البصائر” من أول عدد لها صدر في 27 سبتمبر/ أيلول 1935م إلى العدد 83 الصادر في 30 سبتمبر 1937م حيث انتقلت إدارتها إلى قسنطينة، وكان العقبي في مقارعة شجاعة مع مختلف صحف الطرقيين (الإخلاص، المعيار، البلاغ الجزائري) التي حظيت بدعم سلطة الاحتلال بعكس صحافة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
ومن نشاطاته في جمعية العلماء: إشرافه على مدرسة الشبيبة الإسلامية ودعا إلى إنشاء منظمة شباب الموحدين. وكانت له أنشطة أخرى خارج نطاق جمعية العلماء، فقد كان رئيسا للجمعية الخيرية الإسلامية، ومحاضرا دائما في نادي الترقي منذ مجيئه للعاصمة الجزائر سنة 1931م، بعد تأسيس جمعية العلماء وحتى أقعده المرض سنة 1958.
ومن آثار تأثير العقبي في حياة الجزائريين هجر الناس لشرب الخمر والميسر ومواطنها، فرجع أكثرهم إلى بيوت الله بعد أن خلت منهم، وقد كان الفرنسيون هم من يسهل وجود الخمر بين الجزائريين، كحال المستعمر في كل مكان وعلى غرار إغراق الصين بالأفيون من قبل البريطانيين.