المقالات الإسلامية المتنوعة

عدم الملازمة بين الإثبات، والتكييف

عدم الملازمة بين الإثبات والتكييفالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.وبعد؛ فقد ورد في كلام بعض المتفقهة ممن ينتسب إلى المذهب الأشعري قوله إن إثبات الصفات على الحقيقة هو تكييف ودخول في الكيف. ولازم هذا القول أن مقولة (بلا كيف) بعد الإثبات لا أثر لها في نفي التكييف والتشبيه! والقصد من هذا القول التشنيع على أهل السنة بأنهم مشبهة بمجرد اعتقاد الإثبات كما لا يخفى. وقلد ذلك القائل كثيرون فانتشر الاحتجاج بهذه المقولة انتشارا عجيبا حتى إنك لتجد الغمر الذي لا يحسن ما يقيم به كتابته وإملاءه يحاج بهذه المقولة فكثر أن تقرأ أنت تقول لله يد؟ إذن أنت مشبه مجسم! ثم وصل الأمر إلى السخرية والاستهزاء بمن قال (بلا كيف) والتندر بالجملة وادعاء أنها كلمة لا معنى لها أو أنها كلمة غير معقولة وغير مفهومة.وإذا علمت علمك الله الخير! أن نفي الكيف بعد الإثبات ثابت عن الإمام مالك وأن هذا الجملة (بلا كيف) هي من مقولات الأشاعرة المشهورة حتى إن الزمخشري عيرهم وهجاهم بها كما ستقف عليه علمت أن المالكي الأشعري المستهزئ بها الساخر من قائليها ساخر من مذهبه العقدي مستهزئ بإمام مذهبه الفقهي.  ثم إن تلكم الدعوى أعني دعوى أن إثبات الشيء على الحقيقة تكييف ودخول في الكيف مع كونها في غاية الفساد والبطلان في ذاتها لا يستطيع أشعري أن يلتزمها ويطردها أبدا بل لا يستطيع أن يلتزمها من يؤمن بالقرآن الكريم على ما ستراه. وإثبات صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله صلى الله عله وسلم مع نفي التكييف والتشبيه هو مذهب السلف من أهل السنة قاطبة؛ قال الشيخ أبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميين (ص 211) وقال أهل السنة وأصحاب الحديث ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه على العرش؛ كما قال عز وجل الرحمن على العرش استوى طه5 ولا نتقدم بين يدي الله في القول بل نقول استوى بلا كيف وقال (ص 217) وقال أصحاب الحديث لسنا نقول في ذلك إلا ما قاله الله عز وجل أو جاءت به الرواية من رسول الله صلى الله عله وسلم   فنقول وجه بلا كيف ويدان وعينان بلا كيف.وقال في رسالته إلى أهل الثغر (ص 233)الإجماع العاشروأجمعوا على وصف الله تعالى بجميع ما وصف به نفسه ووصفه به نبيه من غير اعتراض فيه ولا تكيف له وأن الإيمان به واجب وترك التكييف له لازم.وهو قول أبي الحسن نفسه في الإبانة عن أصول الديانة (ص 21) إذ قال وجملة قولنا أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاؤوا به من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عله وسلم   لا نرد من ذلك شيئا... وأن له سبحانه وجها بلا كيف كما قال ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام الرحمن 27.وأن له سبحانه يدين بلا كيف كما قال سبحانه لما خلقت بيدي ص 75 وكما قال بل يداه مبسوطتان المائدة 64.وأن له سبحانه عينين بلا كيف كما قال سبحانه تجري بأعيننا القمر 14.وقال الإمام ابن عبد البر أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة. التمهيد (7 145).وقال القرطبي (7219) في تفسير قوله تعالى إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش الأعراف 54 ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة. وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته وإنما جهلوا كيفية الاستواء؛ فإنه لا تعلم حقيقته. قال مالك رحمه الله الاستواء معلوم يعني في اللغة والكيف مجهول والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها. ومن هؤلاء السلف الأئمة الأربعة المتبوعون أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإمام مذهب أهل المغرب مالك بن أنس رحمه الله صاحب القولة المشهورة السابقة التي سارت بها الركبان وانتشرت في مشارق الأرض ومغاربها واتخذها الأكابر من العلماء قاعدة وأصلا في باب الأسماء والصفات.قال الذهبي في العرش (ص 117) (وقد أخذ العلماء من قول الإمام مالك الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة قاعدة ساروا عليها في هذا الباب).فظهر مما تقدم أن السلف قاطبة ومنهم الأئمة الأربعة مجمعون على إثبات ما ورد في القرآن الكريم والسنة من الصفات على الحقيقة ونفي الكيف أي بلا كيف يعقله البشر؛ فإن من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته لا تعرف كيفية نعوته وصفاته قطعا ولا يقدح ذلك في الإيمان بها ومعرفة معانيها؛ لأن الكيف أمر وراء ذلك فثبت قطعا أنهم مجمعون على أنه لا ملازمة بين إثبات صفات الباري جل وعلا والتكييف وأن الإثبات يوجد مع الجهل بالكيف وهذا أمر كالبدهي في العقول السليمة كما ستراه عن قريب.وقد كان في إجماع أئمة الدنيا هؤلاء على ما تقدم برهان كاف وفوق الكفاية في إسقاط القول بالملازمة وبيان بطلانه وفساده وهل بعد إجماعهم قول لأحد؟!إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذامإلا أنا نزيد المسألة وضوحا ببيان فساد هذا القول في نفسه وكشف بطلانه بما يلزم منه ولزوم أن يخالفه القائل به إن كان أشعريا. فهذه ثلاثة أوجه الوجه الأول بطلانه في نفسه فإنه من أوهى الأقوال وأسقطها؛ ولذلك لا تكاد تجد التصريح به عند أساطين هذه الصناعة وإن كانوا يقولون بلازمه وقد رده ابن عبد البر وأبطله فقال  فإن قال إنه لا يكون مستويا على مكان إلا مقرونا بالتكييف قيل قد يكون الاستواء واجبا والتكييف مرتفع وليس رفع التكييف يوجب رفع الاستواء ولو لزم هذا لزم التكييف في الأزل؛ لأنه لا يكون كائن في لا مكان إلا مقرونا بالتكييف وقد عقلنا وأدركنا بحواسنا أن لنا أرواحا في أبداننا ولا نعلم كيفية ذلك وليس جهلنا بكيفية الأرواح يوجب أن ليس لنا أرواح وكذلك ليس جهلنا بكيفية (على عرشه) يوجب أنه ليس على عرشه. التمهيد (7 137).ولعمر الله إن الأمر كما قال فإن مجرد تصور معنى أن إثبات الشيء على الحقيقة يستلزم التكييف مغن عن مناقشته وبيان بطلانه؛ فإن الإنسان يجد في نفسه ضرورة أنه يؤمن بوجود أمور في نفسه وذاته وفيما حوله مع الجهل بكيفيتها أو كيفية عملها وهذا كالبدهي إن لم يكن بدهياوليس يصح في الأفهام شيء إذا احتاج النهار إلى دليلالوجه الثاني بطلانه بلازمه؛ وذلك من وجوهأولا أنه يلزم منه عدم إثبات أن لله تعالى ذاتا؛ ويلزم منه نفي الأسماء والصفات بل يلزم منه نفي إثباته لأن إثبات شيء من ذلك يستلزم التكييف والتشبيه وهذه اللوازم قد التزمها بعضهم وقال بها ولا يشك مسلم أن هذا تكذيب صريح للقرآن الكريم؛ فإن منهج المعتزلة يقتضي أن ينفوا الأسماء لكنهم (استعظموا نفيها؛ لما فيه من تكذيب القرآن تكذيبا ظاهر الخروج عن العقل والتناقض؛ فإنه لا بد من التمييز بين الرب وغيره بالقلب واللسان فما لا يميز من غيره لا حقيقة له ولا إثبات. وهو حقيقة قول الجهمية؛ فإنهم لم يثبتوا في نفس الأمر شيئا قديما البتة). النبوات لابن تيمية (22 20). بل إن بعضهم يقول ولا نقول موجود ولا معدوم ولا عالم ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز ولا مريد ولا كاره ولا متكلم ولا ساكت وكذلك سائر الأسماء والصفات... فهؤلاء احترزوا عن إطلاق لفظ (الوجود) عليه وما أشبهه من الأسماء؛ لأن ذلك يستلزم التكييف والتشبيه. نهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني (ص 77).فقد ظهر لك ما تقدم أول الموضوع من أن التزام القول بالملازمة لا يجتمع مع الإيمان بالقرآن الكريم.ثانيا تقدم أن الإقرار بالصفات على الحقيقة مع نفي التكييف والتشبيه هو مذهب أهل السنة بالإجماع فيكون القول بأن الإقرار بها على الحقيقة تكييف طعنا في أهل السنة وسلف الأمة قاطبة ورميا لهم بالتكييف والتشبيه ومنهم إمام المذهب مالك لأنهم بإثباتهم الصفة على الحقيقة يكونون مكيفين مشبهين فلا يكون لقولهم من غير تكييف أثر في السلامة من التكييف والتشبيه. ثم ينظر في قولهم (بلا كيف) فلا يخلو من أمرين إما أن يقولوه وهم جاهلون للملازمة فوقعوا في التكييف جهلا وإما أن يكونوا عالمين بالملازمة قاصدين التكييف والتشبيه وإنما ينفون الكيف سترا لاعتقادهم كما رمى به الزمخشري الأشاعرة كما ستراه.ولا أظن عاقلا يكون مستحضرا هذه اللوازم استحضارا تاما ثم يقع في هذا القول.الوجه الثالث لزوم أن يخالفه الأشعري القائل به.فإن القائل بأن إثبات الشيء إثبات لكيفيته ودخول في الكيف لا بد أن يخالفه إن كان أشعريا في مسائل الغيب التي لم تعرف إلا بالسمع؛ لأنها من قبيل الإثبات ونفي الكيف فإن المسلم يؤمن بها على الحقيقة؛ لورود النص بها مع عدم علمه بكفيتها وليس إيمانه بها على الحقيقة بموجب تكييفها ولا جهله بكيفيتها بموجب عدم وجودها وهذه حقيقة الإيمان بالغيب بعامة وفي كل ما يجب اعتقاده في ذات الله عز وجل بخاصة.أما في مسائل الغيب بعامة فقد قال الرازي في تفسير قول الله تعالى لنرسل عليهم حجارة من طين الذاريات 33المسألة الثانية ما الفائدة في تأكيد الحجارة بكونها من طين؟ نقول لأن بعض الناس يسمي البرد حجارة فقوله من طين يدفع ذلك التوهم.واعلم أن بعض من يدعي النظر يقول لا ينزل من السماء إلا حجارة من طين مدورات على هيئة البرد وهيئة البنادق التي يتخذها الرماة قالوا وسبب ذلك هو أن الإعصار يصعد الغبار من الفلوات العظيمة التي لا عمارة فيها والرياح تسوقها إلى بعض البلاد ويتفق وصول ذلك إلى هواء ندي فيصير طينا رطبا والرطب إذا نزل وتفرق استدار؛ بدليل أنك إذا رميت الماء إلى فوق ثم نظرت إليه رأيته ينزل كرات مدورات كاللآلئ الكبار ثم في النزول إذا اتفق أن تضربه النيران التي في الجو جعلته حجارة كالآجر المطبوخ فينزل فيصيب من قدر الله هلاكه وقد ينزل كثيرا في المواضع التي لا عمارة بها فلا يرى ولا يدرى به؛ ولهذا قال من طين؛ لأن ما لا يكون من طين كالحجر الذي في الصواعق لا يكون كثيرا بحيث يمطر. وهذا تعسف ومن يكون كامل العقل يسند الفكر إلى ما قاله ذلك القائل فيقول ذلك الإعصار لما وقع فإن وقع بحادث آخر يلزم التسلسل ولا بد من الانتهاء إلى محدث ليس بحادث فذلك المحدث لا بد وأن يكون فاعلا مختارا والمختار له أن يفعل ما ذكر وله أن يخلق الحجارة من طين على وجه آخر من غير نار ولا غبار لكن العقل لا طريق له إلى الجزم بطريق إحداثه وما لا يصل العقل إليه يجب أخذه بالنقل والنص ورد به فأخذنا به ولا نعلم الكيفية وإنما المعلوم أن الحجارة التي من طين نزولها من السماء أغرب وأعجب من غيرها؛ لأنها في العادة لا بد لها من مكث في النار.والشاهد من كلامه قوله وما لا يصل العقل إليه يجب أخذه بالنقل والنص ورد به فأخذنا به ولا نعلم الكيفية فأنعم النظر فيه؛ فإنه أثبت كون الحجارة النازلة من السماء من طين وذلك مما تحار فيه العقول وصرح بعدم العلم بالكيفية. وأمثلة هذا في الأمور الغيبية أكثر من أن تحصى فانظر إلى ما أخبر الله به وأخبر به رسوله صلى الله عله وسلم   من الحقائق التي تحدث عند حضور الوفاة وما يكون عند أخذ الروح والصعود بها وما يكون في القبر من أحداث وما يكون يوم القيامة من وقائع وأهوال وغير ذلك مما يلزم المسلم الإيمان به على الحقيقة مع الجهل بالكيفية مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق وذلك معلوم معروف. وأما في باب الاعتقاد فإن القائل بالملازمة يلزمه القول بعدمها قطعا في أمور إن كان أشعريامنها أنه يؤمن أن لله تعالى ذاتا على الحقيقة لا على المجاز؛ قال الرازي في تفسيره (1 91) ذات الله تعالى أشرف الذوات؛ فأثبت لله تعالى ذاتا. وأطال في مواضع من تفسيره الاستدلال على مخالفة ذات الله لسائر الذوات. وقال الشهرستاني في نهاية الإقدام (ص 63) إن الله سبحانه لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها بوجه من وجوه المشابهة والمماثلة؛ ليس كمثله شي ء وهو السميع البصير.فالقائل بالملازمة إما أن يلتزم التكييف وإما أن يلتزم نفي الذات وذلك ليس مذهب الأشعرية؛ فلم يبق إلا أن يثبت الذات وينفي الكيف والتشبيه وذلك نقيض القول بالملازمة إلا أن يخرج من مذهبه إلى مذهب آخر.ومنها أن القائل بالملازمة يثبت بعض الصفات كالعلم والحياة والقدرة والإرادة ومذهب الأشاعرة إثباتها مع نفي الكيف قال الرازي في تفسيره (5 264)ثم نقول كيفية علم الله تعالى وكيفية قضائه وقدره غائبة عن العقول. فالقائل بالملازمة يلزمه القول بنقيضها إن التزم مذهبه وإلا لزمه الخروج عن مذهبه.ومنها رؤية الله تعالى يوم القيامة فإن مذهب الأشاعرة إثباتها مع نفي الكيفية على تفصيل عندهم معروف كما قال اللقاني في جوهرتهومنه أن ينظر بالأبصار لكن بلا كيف ولا انحصارقال الرازي في تفسير قول الله تعالى ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين الأعراف 55 مفسرا (المحبة)واختلفوا في تفسير (المحبة) في حق الله تعالى على ثلاثة أقوالفالقول الأول أنها عبارة عن إيصال الله الثواب والخير والرحمة إلى العبد.والقول الثاني أنها عبارة عن كونه تعالى مريدا لإيصال الثواب والخير إلى العبد. وهذا الاختلاف بناء على مسألة أخرى وهي أنه تعالى هل هو موصوف بصفة الإرادة أم لا؟... إذا عرفت هذا فمن نفى الإرادة في حق الله تعالى فسر محبة الله بمجرد إيصال الثواب إلى العبد ومن أثبت الإرادة لله تعالى فسر محبة الله بإرادته لإيصال الثواب إليه.والقول الثالث أنه لا يبعد أن تكون محبة الله تعالى للعبد صفة وراء كونه تعالى مريدا لإيصال الثواب إليه؛ وذلك لأنا نجد في الشاهد أن الأب يحب ابنه فيترتب على تلك المحبة إرادة إيصال الخير إلى ذلك الابن فكانت هذه الإرادة أثرا من آثار تلك المحبة وثمرة من ثمراتها وفائدة من فوائدها. أقصى ما في الباب أن يقال إن هذه المحبة في الشاهد عبارة عن الشهوة وميل الطبع ورغبة النفس وذلك في حق الله تعالى محال إلا أنا نقول لم لا يجوز أن يقال محبة الله تعالى صفة أخرى سوى الشهوة وميل الطبع يترتب عليها إرادة إيصال الخير والثواب إلى العبد. أقصى ما في الباب أنا لا نعرف تلك المحبة ما هي؟ وكيف هي؟ إلا أن عدم العلم بالشيء لا يوجب العلم بعدم ذلك الشيء ألا ترى أن أهل السنة يثبتون كونه تعالى مرئيا ثم يقولون إن تلك الرؤية مخالفة لرؤية الأجسام والألوان بل هي رؤية بلا كيف فلم لا يقولون ههنا أيضا إن محبة الله للعبد محبة منزهة عن ميل الطبع وشهوة النفس بل هي محبة بلا كيف فثبت أن جزم المتكلمين بأنه لا معنى لمحبة الله إلا إرادة إيصال الثواب ليس لهم على هذا الحصر دليل قاطع بل أقصى ما في الباب أن يقال لا دليل على إثبات صفة أخرى سوى الإرادة فوجب نفيها لكنا بينا في كتاب نهاية العقول أن هذه الطريقة ضعيفة ساقطة. التفسير الكبير (14 108).والغرض من هذا النقل أن الرازي أثبت رؤية الله تعالى ونفى الكيف وهو عين تعبير السلف وأهل الحديث فلم يلزم من إثبات الرؤية عند الأشاعرة تكييف ولا لزم من عدم الكيف عدم وجود الرؤية. ثم انظر إلى قوله بل هي محبة بلا كيف تجده عين عبارة السلف ثم وازن بينه وبين القولين الآخرين واستفت نفسك؛ وانظر أيها أقرب إلى كتاب الله تعالى وأدنى الى القلب والعقل؛ فإنك على نفسك بصيرة ولا يفوتنك الالتفات إلى القولين الأول والثاني؛ فإنك واجد أن من لم يتقبل عقله (المخلوق) ما أثبته خالق ذلك العقل لنفسه من صفة (المحبة) هرب إلى تأويلها بالإرادة ثم إن مخالفه رأى عقله أنه يلزم من إثبات (الإرادة) المفرور إليها مثل ما لزم في (المحبة) المفرور منها؛ ففر إلى تأويلها بإيصال الثواب والخير إلى العبد. ومثل هذا كثير لمن تطلبه؛ وليس هذا موضع تفصيله ولا إليه كان المقصد.وليس بخاف على القارئ الفطن سبب التركيز في النقل على الفخر الرازي؛ فإنه من أساطين المتكلمين وكبار أذكيائهم الذين يقام لهم ويقعد.وقد شنع الزمخشري المعتزلي على من يثبت الصفات ويقول (بلا كيف) فقال في تفسير قوله تعالى ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين الأعراف 143 ثم تعجب من المتسمين بالإسلام المتسمين بأهل السنة والجماعة كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهبا. ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة فإنه من منصوبات أشياخهم والقول ما قال بعض العدلية فيهم لجماعة سموا هواهم (سنة وجماعة) حمر لعمري موكفهقد شبهوه بخلقه وتخوفوا شنع الورى؛ فتستروا بالبلكفه.ومراده ببعض العدلية نفسه كما هو صنيعه في كشافه؛ فإنه لا يسمي نفسه عندما ينشد شعره. ثم عاد وقال في تفسير قوله تعالى ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين الزمر 60 ولا يبعد عنهم قوم يصفونه بفعل القبائح وتجويز أن يخلق خلقا لا لغرض ويؤلم لا لعوض ويظلمونه بتكليف ما لا يطاق ويجسمونه بكونه مرئيا معاينا مدركا بالحاسة ويثبتون له يدا وقدما وجنبا متسترين بالبلكفة ويجعلون له أندادا بإثباتهم معه قدماء.فكلامه صريح في أن إثبات الصفات تكييف وأن عبارة بلا كيف البلكفة لا أثر لها وأن قائلها يتستر بها مخافة تشنيع الناس. وهي عين ما يقوله ذلكم الفقيه ومن تبعه.  ولا يفرحن أحد بقوله المتسمين بأهل السنة والجماعة فإن مراده بهم السلف من أهل الحديث والأشاعرة فكلهم ينفون الكيف فيما يثبتونه مما تنفيه المعتزلة بل إن الأشاعرة فهموا من قول الزمخشري أهل السنة والجماعة أنه يعنيهم هم فقط فانبروا للرد عليه والإغلاظ عليه بمنظوم الكلام ومنثوره كما هو مسطر في موضعه ومنهم ابن المنير فقال رادا على الزمخشري في تفسير موضع سورة الزمر وأما اعتقاده أن تجويز رؤية الله تعالى يستلزم اعتقاد الجسمية فإنه اغترار في اعتقاده بأدلة العقل المجوزة لذلك مع البراءة من اعتقاد الجسمية ولم يشعر أنه يقابل بهداية قول نبي الهدى عليه الصلاة والسلام إنكم سترون ربكم كالقمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته فهذا النص الذي ينبو عن التأويل ولا يردع المتمسك به شيء من التهويل.... وأما قوله إنهم يثبتون لله تعالى يدا وقدما ووجها فذلك فرية ما فيها مرية ولم يقل بذلك أحد من أهل السنة. وإنما أثبت القاضي أبو بكر صفات سمعية وردت في القرآن اليدان والعينان والوجه ولم يتجاوز في إثباتها ما وردت عليه في كتاب الله العزيز على أن غيره من أهل السنة حمل اليدين على القدرة والنعمة والوجه على الذات وقد مر ذلك في مواضع من الكتاب فقد اتصف في هذه المباحثة بحال من بحث بظلفه على حتفه وتعريضه معتقده الفاسد لهتك ستره وكشفه وإنما حملني على إغلاظ مخاطبته الغضب لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وأهل سنته فإنه قد أساء عليهم الأدب ونسبهم بكذبه إلى الكذب. والله الموفق.والشاهد قوله على أن غيره من أهل السنة حمل اليدين على القدرة والنعمة فإن مراده الأشاعرة. وقال مدافعا عن قول الأشاعرة (بلا كيف) في موضع سورة الأعراف وأما قوله إنهم يتسترون بالبلكفة فيعنى به قولهم بلا كيف. أجل إنها لستر لا تهتكه يد الباطل البتراء. ولا تبعده عن الهدى عين الضلال العوراء.فانظر وفقك الله إلى هذا العالم الأشعري كيف جعل الكلمة (بلا كيف) التي يستهزئ بها الأغمار ويتندر بقائليها الأغرار سترا لا تهتكه يد الباطل البتراء. ولا تبعده عن الهدى عين الضلال العوراء؟.والمعتزلة أنفسهم أثبتوا الذات والأسماء فيلزمهم التكييف والتشبيه أو القول بأن الإثبات لا يستلزم التكييف وذلك قول بـ (البلكفة) فيلزمهم من تأكيف الأكف عليهم ما وصموا به غيرهم! فتلخص مما تقدم أن مذهب السلف من أهل السنة والأثر في إثبات ما أثبتوه على الحقيقة ليس تكييفا ولا تشبيها ولا دخولا في الكيف وأن عبارة (بلا كيف) عبارة شرعية ذات معنى عظيم وأثر كبير في نفي التكييف والتشبيه كيف لا وأصلها قول ذي الجلال والإكرام تعالت أسماؤه وتقدست صفاته ليس كمثله شيء وهو السميع البصير الشورى 11 وهو أيضا قول الأشاعرة وقد التزموه فيما أثبتوه من الصفات.وتبين أن القول بأن الإثبات على الحقيقة تكييف وتشبيه فاسد قطعا وأن التزامه يستلزم نفي الذات ونفي الأسماء بل ويستلزم تكذيب القرآن الكريم وأن القائل به من الأشاعرة يلزمه القول بنقيضه في أمور كثيرة أو مباينة مذهبه والقدح فيه لزوما لا فكاك له منه وأن الزمخشري هو أصل السخرية والاستهزاء بجملة (بلا كيف) وأن المهجو بها في شعره والمذموم به في كلامه هم الأشاعرة بالأصالة.وبالله التوفيق. كتبه أحمد بن محمد الحمزاوي        

مقالات عشوائية