المقالات الإسلامية المتنوعة

رحلة الحج في عيون الشعراء - إسلام أون لاين

رحلة الحج في عيون الشعراء - إسلام أون لاين

هذا هو الحج موسم المسلمين حيث يتعبدون ويذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، هذا هو الحج الذي ألهم الشعراء، وأوصى إليهم بأسمى المعاني الروحية، , وهذه رحلة الحج في عيون الشعراء، فتجربة الحج من أعمق التجارب التي يعيشها المسلم وأبعدها تأثيراً في وجدانه وسلوكه.

لقد وجد الشعراء في مناسبة الحج مادةً طيبة وخصبة تطلق خيال المبدعين منهم، وتهز أوتار قلوبهم. فنرى الشاعر يتغنى بالكعبة ومكانتها لافتا النظر إلى قدسيتها وتقديسها، والحجاج والعمار وفد الله -عز وجل-، وهم مضمونون عليه، إن قبضهم أن يدخلهم الجنة وإن ردهم، ردهم بأجر وغنيمة. هذه بعض لمحات من رحلة الحج في عيون الشعراء، حيث الشاعر سعيد الهندي يحمل قلبه، وقلوبنا معه إلى البيت العتيق فيقول:

إلى البيت العتيق حملت قلبيعلى الخدين في صمت لديهوطاف بركنه والدمع يجريكما يسعى الحمام بمروتيهوبين المروتين سعيت سعيًاهداية أُمَّةٍ وَفَدَتْ عليهله -سبحانه- ندعو ونرجوعلى مر الزمان فمن يديه

فله وحده سبحانه الشكر والضراعة والذكر، لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.. لبيك يا رب الحرم.. لبيك يا رب الجود والكرم.. ومع شاعر “الله أكبر فوق كيد المعتدي” مع عبد الله شمس الدين تردد:

لبيك أنت المنعم لبيك يا رب الورىوالكل باسمك محرمهذا نداؤك قد سرىوأنا بعفوك أطمع ولكم تخر لك الجباه

و في خضم الحديث عن رحلة الحج في عيون الشعراء، سيظل الطمع في رحمة الله، وغسل الذنوب على أبواب التوبة وأعتاب الرجاء، وقد ألقى الشاعر محمد البرعي في حفل جمعية الدعاية للحج عام 1945 “نشيد الحج” فقال:

له كل من رامه مطمعادعونا إلى الحج حتى سعىبعزم متين ودين مكين فكنا له خير داعٍ دعاوطاف بمكة منه الدعاء فعنا على البيت أسمى لواءمغنى به كل جاد أمين سرى في البطاح شجي الرجاء

أما شاعر طيبة “محمد ضياء الدين الصابوني” فيسوق لنا نبعة ثرة من نبعات الحياة، وخفقة من خفقات القلب النابض، في “رباعيات من مكة” حيث يقف بباب الكريم راجيًا فضله ونداه.. فيناجي كعبة الحسن بقوله:

ما أحلاها بوقت السحركعبة الحسن تبدت سحراتتملى من شذاها العطرتغمر الأرواح من نفحاتهاهزني الشوق للثم الحجركلما طفت بها في لهفكيف لا أهنا بلثم الحجرفرسول الله قد قبَّله

فهي الأرض التي بارك الله ثراها وسماها، لا يفزع طيرها، ولا تؤخذ تعطتها ولا يعضد شجرها.. وهي سقيا زمزم.. طعام طعم وشفاء سقم.. فهنيئًا لأهلها حيث يناجيهم شاعر طيبة:

يشفي في الآلام والأسقاميا أهل (مكة) ماء زمزم عندكموشفاء سقم في مدى الأياموطعام طعم – لا مراء بفضله

وعلى طريق الحب في الله.. وعلى خطى رسول الله.. يتدفق نهر الإيمان بين مكة والمدينة.. ومع وفد الرحمن من أهل مكة والزائرين.. يحييكم الصابوني:

أنتم كرام وفيكم يزهر الأمليا أهل مكة حيا الله معدنكموكيف أسلو ونار الشوق تشتعل؟ما فكر القلب يومًا في سلوكموقلبهم برسول الله متصلولي (بمكة) إخوان عرفتهمفإننا برسول الله نحتفلإن تحتفل أمة في ذكر قائدها

والحج شعيرة الشعائر وحياة الأبدان والضمائر، ورحلة الحج في عيون الشعراء هي في الأساس الولاء والبراء “وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ”، وتتجلى عطاءات الجواد الذي لا يعضل، ومن الكريم الذي لا يبخل، وهبات الحليم الذي لا يعجل.. على كل من طاف ولبى، وقف بساحة العرض بعرفات الله.. حيث يشهد الله ملائكته أنه قد غفر لأهل عرفات جميعًا.. وفي ائتلاف النور والجلال في عرفات.. يتغنى الشاعر الشيخ “أبو زيد إبراهيم”:

وهدير الدعاء ملء الحياةفي ائتلاف الجلال في عرفاتقد تهادى في موكب الرحماتوحشود الحجيج موج تموجمن فيوض الإيمان والنفحاتملؤها النور والجلال وفيضوالضراعات ملء كل الجهاتوامتداد الأكف لله تدعوكل مَن في السماء من كائناتفيباهي بهم إله البرايالا يريدون غير وجهي وذاتيهم لمبادئ أتوني اليوم شعثًالعباد يدعون في عرفاتفاشهدوا أنني غفرت ذنوبًا

هأنذا أنظر إلى الكعبة المشرفة، يملأ البصر منها نور العين وتملأ البصيرة منها أنوار الروح، “إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ*فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ”. (آل عمران: آية 96-97).

لقد دار الزمان واستدار، وبلغت الروح دار القرار، إنها قد أسكنتها إرادة الله بيته الحرام، وأمكنتها يد القدرة من رحلة العمر وتمام الأمر فقد أجاب نداء أبي الأنبياء عليه الصلاة والسلام حين أذن في العالمين، بالحج المبرور إلى البيت المعمور، “وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ” (الحج: آية 27) إنها الروح التي كانت تهتف:

خذوني خذوني إلى المسجد خذوني إلى الحجر الأسودخذوني إلى زمزم علَّهاتبرد من جوفيَ الموقدخذوني لأستار بيت الإله أشد به في ابتهال يدي

دعوني أحط على بابه

ثقال الدموع وأستنفد

فإني أحيا على لطفه وإن يأتني الموت أستشهد

هكذا كما لهجت روح شاعر الإسلام وأديب العربية، علي أحمد باكثير، وها هي الروح قد حملت البدن إلى تحية هذا البيت، حبا وإقبالا، وتحية وامتثالا، فطاف البدن شفاء ووفاء وقربا ورجاء:

طف بي بمكة إني هدني تعبيواترك عناني فإني ها هنا أربيودَعْ فؤادي يمرح في مرابعها ففي مرابعها يغدو فؤاد حبي

فإن طوفي ومراحي وحرامي ليمتد إلى مكة بأسرها.. فمكة كلها حرم؛ لذا فإن الشاعر مصطفى عكرمة ينطلق إلى مكة من سوريا، كما انطلق إليها باكثير الحضرمي من القاهرة ليقول:

هنا أمرغ خدي صبوة وجوى

فتهتف الحور بشرى خدك الترب

فإن رأيت دموعي أنبتت حجرافتلك مني دموع الفرحة العجب

ولماذا كل هذا الحب العاجب والشوق اللاجب. إنها وحسب تصديقا بكتابك يا رب، ووفاء بعهدك، واتباعا لسنة نبيك -ﷺ-:

هنا بمكة آي الله قد نزلت هنا تربى رسول الله خير نبيهنا الصحابة عاشوا يصنعون لنا جدًا فريدًا على الأيام لم يشب

وزيارة بيت الله الحرام لا يهدأ لها أوار ولا يقر لها قرار، إنها هزة الشوق ولذعة التوق، وعند أعقابا هذا البيت أحيان من جديد:

كما هزني الشوق يا خير الديار.. وكم عانيت بعدك وجدًا دائم السببإلا إليك، أرى الأشواق تقعد بيوعند ذكرك أشواقي تحلق بيوعند ذكرك أنسى أنني بشروكالملائك أحيا في المدى الرحبفتبدعين كياني من تقى وهدىفلا أحس بما ألقاه من وصبما غير زورة بيت الله ترجع ليشباب روحي إذا امتدت يد النوبربي حنانيك فاكتبها وخذ بيديكي يهتف القلب يا فوزي ويا طربي

اللهم آمين، اللهم اكتبها مبرورة مأجورة لكل مشتاق، وأطو اللهم له الديار والأسفار والأعماق، يا رب يا واهب يا فتاح يا رزاق. إنها مكة أم القرى، الأرض التي حرمها الله فأصبحت للناس حرما آمنا ويُتخطف الناس من حولهم، تقول الشاعرة الإسلامية علية الجعَّار:

موطن الأمن والحمى والجواردرة الأرض منبع الأنوارحرم الله أرضها وحباهامن قديم بباهر الأسرارمكة الطهر والسلام تسامى قدرها فوق سائر الأمصاررحمة الله ظللتها وفيهامن رضا الله أعذب الأنهاركل من جاء للرحاب يلبيدامع القلب خشية من ناريملأ الأمن قلبه وتنقي روحه رحمة من الغفار

وليس بكثير على أم القرى أن تكون عروس المدائن وقِبْلَة العابدين فهي البلد الذي اختاره الله لبيته الحرام واختصه بالتوجيه إليه.

من ذراهانزل الروح الأمينفي ثراهاوضع الحق المبين

كما يشدو الشاعر اللبناني سعيد الهندي حيث يترنم في بطحاء مكة قائلا:

وبها الأركان والبيت الذيشدا بالإيمان أزر المسلمينأسعد الله بها من أسعداجاور الركن وحيا المسجداقف بهذا السفح قرب العلموانهل الطيب شذا من زمزموطف البيت طواف المحرمواعتمر لله رب العالمينمن ذراهانزل الروح الأمينفي ثراهاوضع الحق المبين

إنها المنهل والمورد، وهي الغاية والمقصد، فهي منزل الوحي ودار الإسلام:

شريعة الله رفت في مآذنهاوفي الحنايا دعاء سبح اللهتروي العطاش على الأزمان زمزمهاكما روى عن لهيف الخطو مساعهامن كان في كنف البطحاء مسكنهكانت سجاياه بعضا من سجاياهاومن تكن كعبة الإسلام قبلتهفإنما الخلد والرضوان عقباها

هكذا يرى الشاعر سعيد الهندي تواصل الخيرات والبركات بين مهد النبوة ومهبط الوحي. بوركت يا أم القرى كما يردد الشاعر الإسلامي عبد الله شمس الدين:

بوركت يا أم القرى من بقعة خلعت عليها البنيات إهابهازف الخليل إليك إسماعيل فالت قت هضابك بالجلال وبالبهاوأتى الختام المرسلين مبشرا بالنور يجلي للنهى ما رابهاوغدوت بالبيت العتيق منارة أبدًا تردد هديها وثوابهاوعدت مروجا كالرياض وجنة رضوان فتح للحنيفة بابها

يا أيها الناس، إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا، فما يدري أحدكم ما يعرض له فقد يضيع المال، وتصل الراحلة، وتكون الحاجة، فهيا لنردد مع أمير الشعراء أحمد شوقي:

إلى عرفات الله يا خير زائرعليك سلام الله في عرفاتففي الكعبة الغراء ركن مرحب بكعبة قصاد وركن عفاةعلى كل أفق بالحجاز ملائك تزف تحايا الله والبركاتلدى الباب جبريل الأمين براحة رسائل رحمانية النفحاتوما سكب الميزاب ماء وإنما أفاض عليك الأجر والرحماتوزمزم تجري بين عينيك أعينا من الكوثر المعسول منفجرات

فالكعبة الغراء منتهى القصاد، وراية العباد، وإليها تطير بها رواح فالتوجه إليها عبادة، والنظر إليها عبادة، وها هو الشاعر السوري الكبير محمد سليمان الأحمد بدوي الجبل يناجي الكعبة الغراء قائلا:

بنور على أم القرى وبطيبغسلت فؤادي من أسى ولهيبلثمت الثرى سعيا وكحلت مقلتيبحسب كأسرار السماء مهيبوأمسكت قلبي لا يطير إلى منى بأعبائه من لهفة وحبيبهنا الكعبة الزهراء والوحي والشذى هنا النور فافني في هواه وذوبيويا مهجتي بين الحطيم وزمزم تركت دموعي شافعا لذنوبيوفي الكعبة الزهراء زينت لوعتي وعطر أبواب السماء نحيبي

فاللهم لا تجعله آخر العهد ببيتك.. واجعله اللهم أزمنة مديدة وأعوامًا عديدة.. اللهم آمين.

محمود محمد خليل – عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية

مقالات عشوائية