بينات

شبهات حول تدوين القرآن

العودة للتصنيفات

دعوى أن القرآن الكريم جمع بسبب ما أصابه من تحريف

دعوى أن القرآن الكريم جمع بسبب ما أصابه من تحريف
يزعم بعض المتقولين أن القرآن الكريم أصابه من التحريف، والتبديل، والتغيير؛ ما دفع المسلمين إلى محاولة جمعه وترتيبه، وتوحيد نصه في كتاب واحد ويرمون من وراء ذلك إلى وصم القرآن بالتزييف والتحريف. 1) جمع القرآن على معنيين: الأول: الحفظ، والثاني: الكتابة، والجمع بمعنييه - الحفظ والكتابة - ثابت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.2) لم يكن جمع القرآن - في عهد أبي بكر - رضي الله عنه - بسبب تحريفه أو تغييره، وإنما بسبب الخوف من مجرد وقوع التحريف، أو التغيير فيه، ولهذا الخوف أسباب، منها: 3)  لحوق النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرفيق الأعلى والتأكد من انقطاع الوحي وتمام الشريعة بتمام نزوله.4)  كثرة الشهداء من القراء في موقعة اليمامة؛ حتى خيف نفادهم.5) كذلك لم يكن جمع القرآن الكريم - في عهد عثمان - رضي الله عنه - بسبب تحريفه؛ وإنما كان لجمع أمر المسلمين على مصحف إمام، واجتثاث جذور الفتن؛ حيث كانت بلاد المسلمين قد اتسعت وتفرق الصحابة فيها بعلومهم، وحيث كان اجتماع الشاميين والعراقيين في غزو أرمينية وأذربيجان.6)  ثمة ثلاثة براهين رياضية أثبتها العلم الحديث تؤكد على أن القرآن الكريم لم يحرف. ومعلوم أن الجمع هنا على معنيين؛ هما: 1. الحفظ: وقد جمع القرآن بهذا المعنى على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يترقب نزول الوحي عليه بشوق، فيحفظه ويفهمه، مصداقا لوعد الله عز وجل: (إن علينا جمعه وقرآنه (17)) (القيامة)، فكان - صلى الله عليه وسلم - بذلك أول الحفاظ، ولصحابته فيه الأسوة الحسنة؛ شغفا بأصل الدين ومصدر الرسالة، والأمة العربية كانت بسجيتها قوية الذاكرة، تستعيض عن أميتها في كتابة أخبارها وأشعارها وأنسابها بسجل صدورها. وقد أورد البخاري في صحيحه سبعة من الحفاظ، هم: عبد الله بن مسعود، وسالم بن معقل مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد بن السكن، وأبو الدرداء. 2. الكتابة: وقد جمع القرآن بهذا المعنى أيضا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث اتخذ - صلى الله عليه وسلم - كتابا للوحي من أجلاء الصحابة؛ كعلي، ومعاوية، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، تنزل الآية فيأمرهم بكتابتها، ويرشدهم إلى موضعها من سورتها، حتى تظاهر الكتابة في السطور، الجمع في الصدور [1]، ولم يجمع القرآن على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في مصحف واحد لعدم توافر الدواعي، ولورود الموانع. بقي أن نشير إلى أن عمليات الحفظ والكتابة - والاهتمام بكل جزء من أجزاء القرآن - قد أولاها المسلمون عنايتهم البالغة منذ الأيام الأولى للدعوة الإسلامية، فمن المعروف أن كتاب الوحي قد سجلوا القرآن تحت الإشراف المباشر للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يكتب - صلى الله عليه وسلم - لأميته، فكان يكتفي بأن يملي عليهم، ثم يعيدوا قراءة ما كتبوه [2]. ومعلوم أن القرآن بما كتب له من الحفظ الإلهي لم يصبه تحريف ألبتة، وإنما جمعه أبو بكر - رضي الله عنه - خوفا عليه من وقوع التحريف فيه بتوالي أحداث عدة من شأنها أن تذهب بحفظته، ويمكننا أن نجمل أهم هذه الأسباب حسبما أوردها د. محمد شرعي في رسالته عن جمع القرآن - فيما يأتي: 1. لحوق النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرفيق الأعلى: كان وجود النبي - صلى الله عليه وسلم - بين المسلمين، أمانا لهم من حصول الخلاف فيما بينهم، كما كان وجوده - صلى الله عليه وسلم - أمانا من ضياع شيء من القرآن، ومع انتقاله - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى توقف الوحي، فانتفى المانع الذي من أجله لم يجمع القرآن في مصحف واحد في زمنه صلى الله عليه وسلم.  2. انقضاء زمن نزول القرآن وأمن النسخ: من المعروف أن القرآن الكريم لم يجمع في كتاب واحد في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان يترقبه من نزول الوحي، ومعلوم أن الوحي إنما كان ينزل مفرقا على ما يناسب الحوادث والمسائل، وقد كان ينسخ من السورة الآيات، أو تزاد عليها، فلو أن القرآن جمع في كتاب واحد، ثم طرأ نسخ أو زيادة لزم إعادة الكتابة مرة أخرى، فحصل بذلك مشقة عظيمة، فلما انقطع بوفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - خبر السماء، أمن نزول شيء من القرآن يتغير معه ترتيب الآيات في السور؛ وبذلك يكون انقضاء نزول القرآن سببا لجمعه في كتاب واحد؛ حفاظا عليه من الضياع والتبديل. 3. موقعة اليمامة: بعد أن توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنع الزكاة من منع، وارتد عن الإسلام من ارتد، ثم اتبع مدعي النبوة: مسيلمة الكذاب، وكان قومه بنو حنيفة قد التفوا حوله واتبعوه أيضا، وكانوا يسكنون اليمامة، فأرسل إليهم أبو بكر جيشا بقيادة عكرمة بن أبي جهل، وأمده بشرحبيل بن حسنة، وانهزم عكرمة أول الأمر، ثم جاءهم خالد بن الوليد بمدد وقاد الجيش إلى النصر، وكانت موقعة اليمامة سنة إحدى عشرة من الهجرة، وقتل فيها مسيلمة الكذاب وكثير ممن كان معه، وقتل - فيما ذكره سعيد بن المسيب - من الأنصار يومها سبعون، ولا شك أن الكثير منهم كان ممن حفظ القرآن، إما كله أو بعضه، فهال ذلك عمر - رضي الله عنه - فدخل على أبي بكر - رضي الله عنه - وأشار عليه بجمع القرآن وكتابته، خشية الضياع قائلا: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، ومع موت كثير من الحفاظ، يصبح من المحتمل أن تفقد إحدى القطع التي كتب القرآن عليها بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن المحتمل أن يستشهد الذين يحفظون المكتوب في هذه القطعة؛ فيترتب على الأمرين معا ضياع المكتوب فيها. وبذلك تكون موقعة اليمامة أهم الأسباب التي اكتملت بها الحاجة إلى جمع القرآن، ودفعت الصحابة إلى هذا العمل، لما رأوا أن مصلحة الدين، وحفظ الكتاب الحكيم لا تتم إلا به.  حدثت في زمن عثمان - رضي الله عنه - أحداث عظيمة، أدت إلى التفكير في جمع القرآن مرة ثانية، وإرسال نسخ منه إلى الأمصار، ونجمل أهم أسباب هذا الجمع حسبما أوردها د. محمد شرعي فيما يأتي: 1. اتساع بلاد المسلمين وتفرق الصحابة فيها: كانت رقعة بلاد المسلمين قد اتسعت في أيام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حتى وصلت إلى بلاد ما وراء النهر شرقا، وإلى طرابلس غربا، وامتدت الفتوحات التي ابتدأها عمر بن الخطاب في أيام عثمان بن عفان - رضي الله عنهما -، فاستمرت طيلة فترة خلافته تفتح بلادا جديدة، وتوطد للمسلمين فيما فتح من قبل من البلدان، وباتساع دولة الإسلام كثر المسلمون، وتفرق الصحابة في الأمصار يدعون إلى الله، ويعلمون العلم، ويقرأون القرآن. وكان الناس يقرأون كما علموا؛ فأهل الشام يقرءون بقراءة أبي بن كعب، وأهل الكوفة يقرءون بقراءة ابن مسعود، وأهل البصرة يقرءون بقراءة أبي موسى الأشعري، وهكذا. وانتشرت حلقات تعليم القرآن فانتقل الخلاف إلى الغلمان والمعلمين، فخطأ بعضهم بعضا، وأنكر بعضهم قراءة بعض؛ فعن علي بن أبي طالب أن عثمان - رضي الله عنهما - قال: قد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفرا، قلنا: فماذا ترى؟ قال: نرى أن نجمع الناس على مصحف، فلا تكون. وعن أبي قلابة قال: لما كان في خلافة عثمان - رضي الله عنه - جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون، حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين، قال: حتى كفر بعضهم بقراءة بعض، فبلغ ذلك عثمان - رضي الله عنه - فقام خطيبا، فقال: أنتم عندي تختلفون وتلحنون، فمن نأى عني من الأمصار أشد فيه اختلافا لنا، اجتمعوا يا أصحاب محمد، فاكتبوا للناس إماما.والظاهر أن هذه الأحداث كانت قبل فتح أرمينية وأذربيجان، ولما وقع الخلاف الشديد، والفتنة العظيمة بين المسلمين في فتح أرمينية وأذربيجان، تأكدت الحاجة إلى جمع جديد للقرآن، يلم به شمل المسلمين، وتجتث به جذور تلك الفتنة.

مقالات ذات صلة