هل التخييرُ في القراءاتِ القرآنيَّةِ يُوقِعُ الشكَّ في القرآن؟
القراءاتُ جميعًا مِن عندِ اللهِ وحدَه، ولا يُمكِنُ أن يكونَ فيها أيُّ اختلاف. وإن مَرجِعَ جميعِ القراءاتِ: هو ما تواتَرَ عن النبيِّ ^؛ فثبوتُ القرآنِ برواياتِهِ أمرٌ متواتِرٌ لا يُمكِنُ أن يتطرَّقَ إليه التشكيكُ، ويَضبِطُها في عدمِ الاختلافِ والتخييرِ المِزاجيِّ: أن مِن شرطِ القراءةِ أن توافِقَ الرسمَ العثمانيَّ؛ فلا يجوزُ الإتيانُ بما يخالِفُ الخطَّ المرسومَ في المصحفِ؛ وبهذا ينتهي الإشكالُ، ويزيدُ الأمرَ وضوحًا ما يأتي في الوجهَيْنِ الآتيَيْن: الوجهُ الأوَّلُ: ما جاء في قولِ اللهِ تعالى: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس: 15] فقد نزَلَتْ هذه الآيةُ: ردًّا على مَن سأَلَ رسولَ اللهِ ^ أن يبدِّلَ القرآنَ؛ وهذا الدليلُ - ضِمنَ أدلَّةٍ كثيرةٍ - يدُلُّ على أن جميعَ تلك القراءاتِ وحيٌ مِن اللهِ سبحانه. ومِن تلك الأدلَّةِ على أن مَرجِعَ القراءاتِ هو النبيُّ ^: أن كُلًّا مِن المختلِفِينَ في القراءةِ مِن الصحابةِ كان يقولُ: «أَقْرَأَنِيهَا رسولُ اللهِ ^»، وأن النبيَّ ^ كان يعقِّبُ على قراءةِ كلٍّ مِن المختلِفِينَ بقولِهِ: «هكذا أُنزِلَتْ»: فقد أخرَجَ البخاريُّ (5041، 7550)، ومسلِمٌ (818)؛ مِن حديثِ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ، قال: «سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا - وَفِي رِوَايَةٍ: «عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللهِ ^» - فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأَتَنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ^: «أَرْسِلْهُ؛ اقْرَأْ»، فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ^: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ»، ثُمَّ قَالَ لِي: «اقْرَأْ»، فَقَرَأْتُ، فَقَالَ: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ؛ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ؛ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ». فجميعُ القراءاتِ المتواتِرةِ محصورةٌ مضبوطةٌ معلومةٌ، نزَلَ بها جبريلُ عليه السلامُ على رسولِ اللهِ ^، فتلقَّاها رسولُ اللهِ منه وحَفِظَها، وأَسمَعَها للصحابةِ الكِرامِ، ومنهم تلقَّاها مَن بَعْدَهم حتى وصَلَتْ إلينا، عبرَ سِلْسِلةٍ متَّصِلةٍ متواتِرةٍ، وقد أجمَعتِ الأمَّةُ على ذلك. الوجهُ الثاني: لقد فَهِمَ بعضُهم مِن الرواياتِ الصحيحةِ التي تدُلُّ على تنوُّعِ القراءاتِ: أن للشخصِ أن يأتِيَ - مِن تِلْقاءِ نفسِهِ - باللفظِ وما يرادِفُهُ؛ وهذا الفهمُ لا يُمكِنُ أن يكونَ صحيحًا أبدًا: بل المقصودُ: أن له أن يَقرَأَ مِن الأحرُفِ السبعةِ الثابتةِ ما أراد، وأن الاختلافَ بينها هو كالاختلافِ بين المعاني المترادِفةِ، أو كالاختلافِ بين المعنى الصحيحِ وبين المعنى الصحيحِ الآخَرِ الذي يختلِفُ عنه ولكنَّه لا يضادُّهُ، وليس معنى ذلك: أن له أن يغيِّرَ ذلك مِن نفسِه. ومِن خلالِ قراءةِ الرواياتِ: يَظهَرُ بوضوحٍ: أنَّ رحمةَ اللهِ سبحانه وتعالى بالناسِ كانت السببَ في إعطائِهم تلك السَّعَةَ والفُسْحةَ في طريقةِ قراءتِهم للقرآن؛ لكونِ ألسِنَتِهم تتبايَنُ وتختلِفُ بعضُها عن بعضٍ، ومِن الصعوبةِ عليهم بمكانٍ: أن يغيِّرَ أحدُهم لسانَهُ، ويتعلَّمَ لغةَ الآخَرين؛ ليَقرَأَ القرآنَ بها؛ لذلك أتاحَتْ لهم تلك التوسِعةُ أن يَقرَؤوا بمترادِفاتٍ مِن اللفظِ الواحدِ للمعنى الواحدِ حسَبَ ما ورَدَ، لا حسَبَ أهوائِهم وأمزِجَتِهم؛ كما في سؤالِ السائل. كما أن تعدُّدَ القراءاتِ لم يحصُلْ منه أيُّ اختلافٍ في أصولِ الدينِ أو فروعِه؛ فهي مجرَّدُ طرُقِ أداءٍ صوتيَّةٍ، وتنوُّعٍ مِن ألفاظِ القرآنِ الكريم، وتوسعةٍ في النطقِ به، وتعدُّدٍ في وجوهِ الأداء، وإذا عَلِمنا أن الاختلافَ نوعان: الأوَّلُ: اختلافُ تغايُرٍ وتنوُّعٍ. والثاني: اختلافُ تبايُنٍ وتضادٍّ. والنوعُ الأخيرُ لا يُوجَدُ في القرآنِ على الإطلاق؛ فجميعُ القراءاتِ المتعدِّدةِ إنما هي مِن النوعِ الأوَّلِ، فتمايُزُ القراءاتِ لا يؤدِّي إلى أيِّ اختلافٍ أو اضطرابٍ في الأحكامِ والمعاني. ومِن الجديرِ بالذِّكرِ: أن الراويَ الواحدَ إذا انفرَدَ بقولٍ، أو روايةٍ تخالِفُ المعروفَ الثابتَ، وُصِفَ ذلك القولُ وتلك الروايةُ بالشذوذ؛ لأنها لم تثبُتْ أنها قراءةٌ؛ فقد تكونُ لفظةً منسوخةً، أو لفظةً وضَعَها الراوي في مصحفِهِ الخاصِّ مِن بابِ التفسير، وقد حكَموا على ما خالَفَ المصحفَ العثمانيَّ مِن القراءاتِ بالشذوذ، ولم يَجعَلوا ذلك راجعًا إلى ذوقِهِ في اختيارِ الألفاظ.