صرَّح القرآنُ بوفاةِ عيسى عليه السلامُ، ثم بَعْثِهِ يومَ القيامة؛ فكيف يَنزِلُ قبل يومِ القيامة؟! هذا مِن التناقُض
الجوابُ التفصيليّ: يُمكِنُ إزالةُ الإشكالِ الواردِ في السؤالِ مِن خلالِ النِّقاطِ التالية: أوَّلًا: لا تعارُضَ بين القرآنِ والسنَّةِ الصحيحة: يجبُ أن يُعلَمَ أنه لا تناقُضَ البتَّةَ بين هذه النصوصِ، أو بين القرآنِ والسنَّة الصحيحة؛ فالذي تكلَّم بالقرآنِ هو الذي أَوْحى بالسنَّة؛ فلا تعارُضَ بينهما أبدًا، حتى وإن رأى الإنسانُ تعارُضًا في الظاهر، فإن هذا التعارُضَ في ذهنِه، وليس في الواقعِ، وعليه أن يَفزَعَ إلى أهلِ العلمِ؛ لدفعِ هذا التعارُض. وقد قال ابنُ القيِّمِ: «والذي يجبُ على كلِّ مسلِمٍ اعتقادُهُ: أنه ليس في سننِ رسولِ اللهِ ^ الصحيحةِ سنَّةٌ واحدةٌ تخالِفُ كتابَ الله». اهـ. «الطرُقُ الحُكْميَّة» (1/ 186). ثانيًا: معنى التوفِّي: أما قولُ اللهِ تعالى: {مُتَوَفِّيكَ} [آل عمران: 55]، فليس معناه الموتَ. وإنما قيل: هذا مِن المقدَّمِ والمؤخَّر، تقديرُهُ: إنِّي رافعُكَ إليَّ ومتوفِّيكَ، يعني: بعد نزولِهِ آخِرَ الزمان. وقيل: متوفِّيكَ مِن الدنيا، وليس بوفاةِ موتٍ. وقيل: توفِّيهِ: رَفْعُه. وقال أكثرُ العلماءِ (وهو الأظهرُ): المرادُ بالوفاةِ هنا: النومُ؛ كما قال تعالى: {اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الزمر: 42]، قال ابنُ جُزَيٍّ: «ومعناها: أن اللهَ يتوفَّى النفوسَ على وجهَيْن؛ أحدُهما: وفاةٌ كاملةٌ حقيقيَّةٌ؛ وهي الموت. والآخَرُ: وفاةُ النومِ؛ لأن النائمَ كالميِّتِ في كونِهِ لا يُبصِرُ ولا يَسمَعُ؛ ومنه قولُهُ: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ} [الأنعام: 60] ، وتقديرُها: ويتوفَّى الأنفُسَ التي لم تَمُتْ في منامِها، {فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ} [الزمر: 42]، أي: يُمسِكُ الأنفُسَ التي قضى عليها بالموتِ الحقيقيِّ، ومعنى إمساكِها: أنه لا يرُدُّها إلى الدنيا، {وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [الزمر: 42]، أي: يُرسِلُ الأنفُسَ النائمةَ، وإرسالُها: هو رَدُّها إلى الدنيا، والأجلُ المسمَّى: هو أجلُ الموتِ الحقيقيِّ».