هل يَقدَحُ في النبوَّةِ أن محمَّدًا ﷺ تزوَّج مِن فتاةٍ صغيرةٍ، وهو كَهْلٌ كبير؟
الجوابُ التفصيليّ:يُثيرُ بعضُ النصارى والمستشرِقين هذه الشبهةَ للطعنِ في نبوَّةِ محمَّدٍ ﷺ، وقد يَطعَنُ بعضُ الكُتَّابِ المنحرِفين في «صحيحِ البخاريِّ»؛ لورودِ الحديثِ الذي نَصَّ على سِنِّ عائشةَ فيه، وقد يرُدُّونه بدعوى الدفاعِ عن النبيِّ ﷺ.والجوابُ عن هذه الشبهةِ: هو بكشفِ ملابَساتِ زواجِ النبيِّ ﷺ مِن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها.ويتبيَّنُ ذلك مِن وجوهٍ:1- عائشةُ رضيَ اللهُ عنها لمَّا بنى بها النبيُّ ﷺ، كانت صالحةً للزواج، جسَديًّا ونَفْسيًّا:فإن السنَّ المناسِبَ للزواجِ ليس واحدًا لكلِّ فتاة؛ فطبائعُ البلدانِ والأشخاصِ والأحوالِ تختلِفُ؛ فالقوَّةُ التي تؤهِّلُ المرأةَ لزِفافِها كانت قد تولَّدت فيها بما يَكْفي.وقد عُبِّرَ عن ذلك بقولِهم عنها: «وَكَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قد شَبَّتْ شَبَابًا حَسَنًا». «شرحُ النوَويِّ على مسلم» (9/ 206).وقد توافَرَ لعائشةَ رضيَ اللهُ عنها مُناخٌ صالحٌ؛ فإنَّ أمَّها كانت تهتمُّ لها بتوفيرِ الأغذيةِ التي تُسعِفُها في سرعةِ النماءِ والنشوءِ؛ كما جاء عنها أنها قالت: «أَرَادَتْ أُمِّي أَنْ تُسَمِّنَنِي لِدُخُولِي عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمْ أَقْبَلْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ مِمَّا تُرِيدُ حَتَّى أَطْعَمَتْنِي الْقِثَّاءَ بِالرُّطَبِ، فَسَمِنْتُ عَلَيْهِ كَأَحْسَنِ السَّمْنِ»؛ رواه أبو داود (3903) 2- أُمُّ عائشةَ رضيَ اللهُ عنهما هي التي زَفَّتِ ابنتَها للنبيِّ ﷺ في ذلك السنِّ، والأمُّ أدرى غالبًا بمصلحةِ ابنتِها، خصوصًا مع مشهدِ الناس:فأمُّ رُومانَ زوجةُ أبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنه، وهي أمُّ عائشةَ رضيَ اللهُ عنهما، وهي التي زَفَّتْ عائشةَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، ولا يتوقَّفُ ذلك على عائشةَ رضيَ اللهُ عنها.والأمُّ - خاصَّةً مثلَ أمِّ عائشةَ في دِينِها وصلاحِها، وهي قد أسلَمتْ قديمًا، وبايَعتْ وهاجَرتْ - لا تُعادي ابنتَها غالبًا، بل البنتُ تكونُ إلى أمِّها أعَزَّ ما يكونُ وأحبَّه، فلا يُمكِنُ أن تكونَ أمُّ رُومانَ رضيَ اللهُ عنها قد زَفَّتْ عائشةَ إلى النبيِّ ﷺ قبل أن تنجُمَ فيها القوَّةُ والصلاحِيَةُ، أو أن يكونَ في ذلك الزِّفافِ ضرَرٌ نفسيٌّ، أو جسَديٌّ عليها.وليس أمَّها فقطْ، بل أمُّها، وأبوها، وأختُها الكبرى أسماءُ، وأخوها عبدُ الرحمنِ، والمجتمَعُ الذي شَهِدَ ذلك -: دَلَّ إقرارُهم على مناسَبةِ ذلك الزواج.3- الفارقُ الكبيرُ في السنِّ بين الزوجَيْنِ، أمرٌ معهودٌ؛ فلم يُواجَهْ زواجُ النبيِّ ﷺ بالإنكارِ، سواءٌ مِن الموافِقِ للنبيِّ ﷺ، أو المخالِف:فما كانت عائشةُ رضيَ اللهُ عنها أوَّلَ صبيَّةٍ تُزَفُّ في تلك البيئةِ إلى رجُلٍ في سِنِّ أبيها، ولن تكونَ آخِرَهنَّ؛ فقد تزوَّج عبدُ المُطَّلِبِ الشيخُ مِن هالَةَ الزُّهْريَّةِ بنتِ عمِّ آمِنةَ في اليومِ الذي تزوَّج فيه عبدُ اللهِ أصغَرُ أبنائِهِ، مِن تِرْبِ هالَةَ: آمِنةَ بنتِ وَهْب. وسيتزوَّجُ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ مِن بنتِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، وهو في سِنٍّ فوق سِنِّ أبيها.ويَعرِضُ عُمَرُ على أبي بكرٍ أن يتزوَّجَ ابنتَهُ الشابَّةَ حَفْصةَ، وبينهما مِن فارقِ السنِّ مثلُ الذي بين الرسولِ وعائشةَ رضيَ اللهُ عنها.