ادعاء أن الأنبياء غير معصومين لوقوعهم في بعض الذنوب
يدعي بعض المغرضين أن الأنبياء بشر غير مفضلين، وليس لهم أي ميزة على غيرهم من البشر، وما عرف عن العصمة، فهو من حديث المتكلمين عن السلب والاختيار. ويستدلون على زعمهم هذا بوقوع الأنبياء في بعض المخالفات من: الظلم والنسيان والشك، وارتكابهم بعض الذنوب، وطلب المنهي عنه. ويتساءلون: هل يتفق هذا مع ما يقال عن عصمتهم وتفضيلهم على بقية البشر؟! 1) الأدلة العقلية والنقلية تثبت العصمة للأنبياء ويكفينا أن نعلم أن الله أرسلهم؛ ليكونوا قدوة للناس في امتثال أوامره واجتناب نواهيه. 2) مبدأ العصمة لم يكن من أفكار المتكلمين، وإنما هو مبدأ قرآني صرف. 3) العصمة منحة ربانية يمنحها الله من يشاء من عباده وقد خصها برسله المصطفين الأخيار، وهي لا تسلب الاختيار عن صاحبها الذي هو أساس التكليف. العصمة في اللغة هي: المنع. وفي الاصطلاح: حفظ الله لأنبيائه ورسله من الوقوع في الذنوب والمعاصي، فالعصمة ثابتة للأنبياء، وهي من صفاتهم التي أكرمهم الله - عز وجل - وميزهم بها على سائر الخلق، فلم تكن لأحد إلا الأنبياء الكرام. وهناك العديد من الأدلة العقلية، والأدلة النقلية من القرآن والسنة على عصمة الأنبياء: 1. الأدلة العقلية على عصمة الأنبياء: لو صدر الذنب عن الأنبياء لكان حالهم في استحقاق الذم في العاجل والعقاب في الآجل أشد من حال عصاة الأمة؛ وهذا باطل، فصدور الذنب عنهم باطل. بيان ذلك: أن أعظم نعم الله تعالى على العباد نعمة الرسالة والنبوة، وكل من كانت نعم الله عليه أكثر وأعظم، كان صدور الذنب عنه أفحش، وصريح العقل يدل على ذلك، ويؤكده من النقل أيضا: قوله سبحانه وتعالى: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء) (الأحزاب: ٣٢) وقوله سبحانه وتعالى: (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين) (الأحزاب: ٣٠). أن المحصن يرجم إذا زنا، وغير المحصن يجلد. أن العبد يحد نصف حد الحر. ·طاعة الأنبياء واجبة، فلو صدرت منهم المعصية للزم أن تكون المعصية واجبة وحراما وهو باطل، وأما أن طاعتهم واجبة فلقوله سبحانه وتعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) (النساء: ٦٤) وأما أن المعصية لو صدرت منهم للزم أن تكون واجبة وحراما فلأنه يجب علينا الاقتداء بهم في تلك المعصية، فتصير تلك المعصية واجبة علينا، وكونها معصية يوجب كونها محرمة علينا، فيلتزم توارد الإيجاب والتحريم على الشيء الواحد في آن واحد، وهو باطل، فالأنبياء لم تصدر عنهم معصية[1]. · لو صدر ذنب عن الأنبياء لوجب زجرهم وإيذاؤهم؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، ولكن زجر الأنبياء فيه إيذاء لهم، وإيذاء الأنبياء حرام لقوله سبحانه وتعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا) (الأحزاب:57) كما أن هذا فيه مشاقة للرسول، ومشاقة الرسول محرمة لقوله سبحانه وتعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) (النساء:115) ومن ثم كان صدور الذنب عن الأنبياء ممتنعا[2]. · لو صدر الذنب عن الأنبياء ما كانوا مقبولي الشهادة لقوله سبحانه وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) (الحجرات:6) فلو أقدم الأنبياء على الذنوب، وردت شهادتهم لكانوا أقل حالا من عدول الأمة، فكيف يكون غيرهم أفضل حالا منهم، وقد اصطفاهم الله وفضلهم على العالمين؟![3] · لو صدرت المعصية عن الأنبياء لوجب أن يكونوا موعودين بعذاب الله؛ لقوله سبحانه وتعالى: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين) (النساء:14) ولكانوا ملعونين لقوله سبحانه وتعالى: (ألا لعنة الله على الظالمين) (هود:18) ، وبإجماع الأمة هذا باطل فكان صدور المعصية عنهم باطلا[4]. · أنهم كانوا يأمرون بفعل الطاعات وترك المعاصي، ولو تركوا الطاعة وفعلوا المعصية لدخلوا تحت قوله سبحانه وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (2) كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (3) (الصف) وتحت قوله سبحانه وتعالى: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون) (البقرة:44) ومعلوم أن هذا في غاية القبح، لكنهم منزهون عن القبح. وأيضا أخبر الله - سبحانه وتعالى - عن رسوله شعيب - عليه السلام - أنه برأ نفسه من ذلك، فقال: (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) (هود: ٨8). · وصف الله تعالى أنبياءه بالاصطفاء والخيرية في كل الأمور، ومن كان موصوفا بالاصطفاء والخيرية على هذا النحو لا تصدر المعصية عنه، أما أن الله - عز وجل - وصفهم بالاصطفاء والخيرية فجاء في آيات كثيرة منها: (الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير) (الحج:75) واختيار الله لهم لتبليغ شرائعه إلى الناس لا يكون إلا عن صلاحية منهم للقيام بما كلفوا به على أكمل وجه مصداقا لقوله سبحانه وتعالى: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) (الأنعام: ١٢٤). وقال - عز وجل - عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب: (وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار) (ص:47) ولفظي (المصطفين، والأخيار) يتناولان جميع الأفعال، سواء المأمور بها أم المنهي عنها، فثبت بذلك أنهم كانوا من المصطفين الأخيار في كل الأمور[5]، ومن ثم فصدور المعصية عنهم غير وارد. قال سبحانه وتعالى: (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين) (الأنبياء:90) والألف واللام في صيغة الجمع في كلمة "الخيرات" تدل على العموم، فأخبر الله - عز وجل - عن أنبيائه في هذه الآية بأنهم كانوا فاعلين لكل ما ينبغي فعله من الطاعات، تاركين لكل ما ينبغي تركه من المعاصي، وذلك يدل على عصمتهم من الذنوب والمعاصي. · لو أذنب الأنبياء لكانوا غير مخلصين، وكونهم غير مخلصين باطل، فبطل كونهم مذنبين، وثبت نقيضه وهو عصمتهم من الذنب، قال - عز وجل - في حق إبراهيم وإسحاق ويعقوب: (إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار) (ص:46) وقال - عز وجل - في حق يوسف عليه السلام: (إنه من عبادنا المخلصين) (يوسف:24) وإذا ثبتت العصمة في حق واحد ثبتت في حق الكل. أما أنهم لو أذنبوا لكانوا غير مخلصين؛ فلأن الذنب لا يقع إلا عن إغواء من الشيطان، وهو لا يغوي المخلصين، بدليل قوله - سبحانه وتعالى - حكاية عنه: (قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين (39) إلا عبادك منهم المخلصين (40) (الحجر). · قسم الله تعالى المكلفين إلى قسمين: حزب الشيطان، ويقول - سبحانه وتعالى - فيهم: (أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون) (المجادلة:19) وحزب الله كما قال سبحانه وتعالى: (أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) (المجادلة:22) ولا شك أن حزب الشيطان هو الذي يفعل ما يريد الشيطان ويأمره به، فلو صدرت الذنوب عن الأنبياء؛ لصدق عليهم أنهم من حزب الشيطان، ولصدق عليهم قوله سبحانه وتعالى: (ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون) ولصدق على الزهاد من آحاد الأمة قوله سبحانه وتعالى: (ألا إن حزب الله هم المفلحون) ، وحينئذ يلزم أن يكون واحد من آحاد الأمة أفضل بكثير من الأنبياء. ·قال - عز وجل - في حق إبراهيم عليه السلام: (قال إني جاعلك للناس إماما) (البقرة: ١٢٤) والإمام هو الذي يقتدى به، فلو صدر الذنب عن إبراهيم - عليه السلام - لكان اقتداء الخلق به في ذلك الذنب واجبا، وهذا باطل[6] لأمرين: أن وجوب الاقتداء بمن يفعل الذنب أمر بذلك الذنب، والله لا يأمر بالفحشاء، قال سبحانه وتعالى: (إن الله لا يأمر بالفحشاء) (الأعراف: ٢٨). الله لا يصطفي ولا يجعل للناس إماما من يكون قدوة في فعل الذنب؛ لأن الاصطفاء إنما يكون لأجل القدوة في الهداية، فثبت أن الخليل - عليه السلام - لم يذنب، والأنبياء جميعا مثله[7]. ·قال سبحانه وتعالى: (قال لا ينال عهدي الظالمين) (البقرة:124) وثابت أن المذنب ظالم، وهذا العهد الذي حكم الله - عز وجل - بعدم وصوله للظالمين إما أن يكون عهد النبوة أو عهد الإمامة، فإن كان الأول - أي: عهد النبوة - فهو المقصود، وإن كان الثاني - أي: عهد الإمامة - فالمقصود أظهر؛ لأن عهد الإمامة أقل درجة من عهد النبوة، فإذا لم يصل عهد الإمامة إلى الظالم - وهو المذنب العاصي - فالأولى ألا يصل عهد النبوة - وهو أجل وأعظم - إلى ذلك العاصي. [8] ومن ثم تثبت العصمة لهؤلاء الأنبياء، وتستحيل عليهم المعصية. · من الثابت لدى العلماء أن الأنبياء أفضل من الملائكة، وبما أن الملائكة لم يقدموا على شيء من الذنوب، فالأولى أن يحجم الأنبياء عنها حتى تثبت لهم تلك الأفضلية. · قال سبحانه وتعالى: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين) (سبأ:20) فهؤلاء الذين لم يتبعوا إبليس إما أن يقال: إنهم الأنبياء أو غيرهم، فإن كانوا غيرهم لزم أن يكونوا أفضل منهم، لقوله سبحانه وتعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) (الحجرات:13) وتفضيل غير النبي على النبي باطل بالإجماع؛ فوجب القطع بأن أولئك الذين لم يتبعوا إبليس هم الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وكل من أذنب فقد اتبع إبليس، فدل هذا على أن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - ما أذنبوا[9]. قد حفل القرآن الكريم بالكثير من الآيات التي تتحدث عن أنبياء الله - صلوات الله وسلامه عليهم - وتثبت لهم كل كمال بشري يمكن أن تحويه كلمة "العصمة"، وتجعلهم فوق الدنايا والصغائر بما يدفع شبهات المفترين. مع ملاحظة أن ما يحكم به على واحد من أنبياء الله، ينطبق على بقية أنبيائه. ·فمن الآيات التي تحدثت عن آدم - عليه السلام - قوله سبحانه وتعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (31) قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم (32) قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (33) (البقرة). وعلم آدم بالأسماء مبرر لتفضيله، وإسجاد الملائكة له، ولكنه ليس المبرر الوحيد، فالعلم عندما لاتصاحبه طاعة الله، والكف عن محارمه يفقد قيمته وثمرته، ولا يستحق صاحبه به تفضيلا على غيره. فلا بد إذن أن آدم - عليه السلام - قد شابه الملائكة في التخلق بأخلاقهم من فعل المأمورات، وترك المنهيات، ثم امتاز عليهم بعلم الأسماء دونهم، فلهذا كله استحق شرف إسجادهم له. · أما عن نبي الله نوح - عليه السلام - فقد امتدحت آيات من القرآن الكريم نوحا - عليه السلام - بأنه عبد شكور، قال سبحانه وتعالى: (ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا) (الإسراء:3) وأما الهداية، فقد وصف الله تعالى بها نوحا - عليه السلام - في قوله: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين) (الأنعام:84) أي: وهديناه إلى الدين الحق والمعرفة الصحيحة من قبل إبراهيم. وأما الصلاح فقد وصفه الله - عز وجل - به هو ولوط - عليهما السلام - في قوله سبحانه وتعالى: (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين) (التحريم: ١٠). وأما الاصطفاء بالرسالة ففي قوله سبحانه وتعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) (آل عمران:33) واصطفى: أي: اختار، فمعنى اصطفاهم: جعلهم صفوة خلقه تمثيلا بالشيء الذي يصفى وينقى من الكدورة. ويروي بعض العلماء قولا يوضح اصطفاء آدم ونوح هو: اصطفى الله آدم - عليه السلام - بأن خلقه بيده في أحسن تقويم وبتعليم الأسماء له، وإسجاد الملائكة له، وإسكانه الجنة. واصطفى نوحا - عليه السلام - بكونه أول من نسخ الشرائع، إذ لم يكن تزويج المحارم قبل بعثته حراما، وبإطالة عمره، وجعل ذريته هم الباقين، واستجابة دعوته في حق الكفرة والمؤمنين، وحمله على متن الماء. ومن البدهي أن من اصطفاه الله، وجعله على هدى، وفضله على عباده، وجعله عبدا شكورا لا تصدر عنه معصية؛ لأن الله - عز وجل - لا يختار العصاة؛ ليهدي بهم خلقه، ثم إن النبوة أعظم النعم على الإنسان، والعاصي لا يقوم بشكر الله على نعمه، ونوح عبد شكور، فهو إذن لم يعص الله عز وجل[10]. وما يحكم به على نبي من أنبياء الله، ينطبق على جميعهم. · أما عن نبي الله إبراهيم - عليه السلام - فقد امتدحه القرآن الكريم بمكارم الأخلاق ومحاسن الصفات، ونفى عنه ما ادعته كل من اليهود والنصارى والمشركين، من أنهم على ملته، بل أثبت القرآن أن أقرب الناس لخليل الله إبراهيم - عليه السلام - هم أتباعه ومحمد - صلى الله عليه وسلم - والذين آمنوا، قال سبحانه وتعالى: (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون (65) ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (66) ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين (67) إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين (68) (آل عمران). كما امتدحه الله - عز وجل - في آية أخرى فقال: (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين) (الأنبياء:51) "والرشد" فسره بعض العلماء بالنبوة، استئناسا بقوله: )وكنا به عالمين(؛ لأن الله - عز وجل - لا يخص أحدا بالنبوة إلا إذا علم من حاله أنه يقوم بها، ويجتنب ما لا يليق بها. وهذا الرشد الذي آتاه الله إبراهيم - عليه السلام - قد طهر قلبه، فجعله سليما، قال سبحانه وتعالى: (وإن من شيعته لإبراهيم (83) إذ جاء ربه بقلب سليم (84) (الصافات). أي: إن الله - عز وجل - نقى قلبه من العقائد الفاسدة، والنيات السيئة، والصفات القبيحة. ومن الآيات التي تحدثت عن حميد صفاته - عليه السلام - قوله سبحانه وتعالى: (إن إبراهيم لحليم أواه منيب) (هود:75) فتضمنت هذه الآية وصفه - عليه السلام - بثلاث صفات: أنه حليم: أي: غير عجول في الانتقام من المسيء إليه. أنه أواه: أي: كثير التضرع والدعاء من خوف الله. أنه منيب: أي: راجع إلى الله عز وجل. وهي صفات تدل كلها على رقة القلب، والرأفة، والرحمة، وغير ذلك من الصفات والكمالات التي لا تجتمع لأحد من البشر، ولا توجد إلا متفرقة، في حين أنها اجتمعت لخليل الله إبراهيم - عليه السلام - حتى وصف بأنه أمة، قال سبحانه وتعالى: (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين (120) شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم (121) وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين (122) (النحل). فقد وصفه الله - عز وجل - في هذه الآية بأنه كان أمة وحده، أي: عنده من الخير ما عند أمة، أو أنه كان مؤمنا وحده والناس كلهم كفار. كما وصفه بأنه كان قانتا مطيعا له، مائلا عن الباطل إلى الحق، ولم يكن من المشركين، شاكرا لنعم الله عليه، اجتباه واصطفاه ربه للنبوة، وهداه إلى الطريق الموصل إليه - سبحانه وتعالى - وذلك بهدايته إلى ملة الإسلام، كما جمع الله له خير الدنيا، وجعله في الآخرة في عداد الصالحين في الدرجات العلا من الجنة. فهل يصح أن يقال عن الذي رفع الله درجته، وأعلى في العالمين ذكره، وطهر قلبه، وامتدحه بحميد الصفات: إنه غير معصوم من الذنوب التي تشينه وتحط من شأنه؟! قد قال - عز وجل - عنه أيضا في وصفه بالصدق: (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا) (مريم:41) ولقد قام الخليل - عليه السلام - بحقوق النبوة والاصطفاء، فوفاها وبلغها وأداها كلها على أكمل وجه، قال سبحانه وتعالى: (وإبراهيم الذي وفى) (النجم:37) قال قتادة: إنه وفي طاعة الله، وأدى رسالته إلى خلقه، واختار ابن جرير هذا القول؛ لأنه يشمل الذي قبله، وأيضا يشهد له قول الله سبحانه وتعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) (البقرة:124) فقام بجميع الأوامر، وترك جميع النواهي، وبلغ الرسالة على التمام والكمال، فاستحق بهذا أن يكون إماما للناس، يقتدى به في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، وهذا يدل على أنه - عليه السلام - معصوم من الذنوب؛ لأنه - وقد جعله الله قدوة - لو صدرت المعصية منه لوجب الاقتداء به فيها، فيلزم وجوب فعل المعصية وهو باطل[11]. ·لقد تحدث القرآن الكريم أيضا عن نبي الله لوط - عليه السلام - بما يشهد بعصمته من الذنوب والمعاصي، فذكر - عز وجل - أنه - عليه السلام - قد آمن بإبراهيم - عليه السلام - قال سبحانه وتعالى: (فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم) (العنكبوت:26) وأن الله تعالى قد آتاه حكما وعلما، وصلاحا ورحمة، قال سبحانه وتعالى: (ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين (74) وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين) (الأنبياء:75) والحكم: فسر بالحكمة وهي: الإصابة في القول والعمل، وفسر بـ: الفصل بين الخصوم، وفسر بـ: النبوة. والعلم: هو العلم بكل ما ينبغي علمه للأنبياء عليهم السلام. )ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث( نجاه الله من أهل سدوم الذين كانوا يعملون الخبائث والسوء، والفسق من اللواط وقذف المارة بالحصى والسباب... وغير ذلك مما يدخل تحت الفاحشة والمنكر وقطع السبيل. وكان لوط - عليه السلام - يكره أعمال قومه القبيحة: (قال إني لعملكم من القالين) (الشعراء:168) أي: إني أبغض عملكم غاية البغض، وينهى قومه عن ارتكاب تلك الأفعال، ويصفهم بالجهل نتيجة أفعالهم تلك: (أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون) (النمل:55) ونتيجة لإنكاره عليهم ونهيه إياهم؛ ضاق قومه به ذرعا، وتوعدوه إن لم يكف عن هذا؛ ليخرجوه من بين أظهرهم بقوة وعنف، قال سبحانه وتعالى: (قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين) (الشعراء:167) فخوفهم لوط - عليه السلام - من العذاب فقالوا: (ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين) (العنكبوت: ٢٩) وعندئذ طلب من ربه أن ينجيه من شؤم عملهم وعذابه فقال: (رب نجني وأهلي مما يعملون) (الشعراء:169) فنجاه الله - عز وجل - ومن آمن معه، فأخرجهم من بين قومه وقت حلول العذاب بهم إلا امرأته لرضاها بفعل قومه قال سبحانه وتعالى: (فنجيناه وأهله أجمعين (170) إلا عجوزا في الغابرين (171) (الشعراء). ومن أخلاقه أيضا رعايته لحق الضيف، فقد دافع عن أضيافه - ولم يكن يعرف أنهم ملائكة - وجاهد في دفع قومه عنهم؛ حتى لا يخزى في ضيفه فقال لقومه: (وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد) (هود:78) وقد وصفه الله - عز وجل - بالصلاح وأدخله في رحمته، قال سبحانه وتعالى: (وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين) (الأنبياء:75) لهذا كله فضله الله - عز وجل - مع غيره من الرسل - عليهم السلام - على العالمين: (وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين) (الأنعام:86) فإذا كان لوط - عليه السلام - بهذه المثابة من التصديق بجميع ما أتى به إبراهيم - عليه السلام - وقد أوتي حكما وعلما وصلاحا ورحمة وفضلا، فلا يقبل التقول عليه بأنه - عليه السلام - التجأ إلى غير ربه، أو رضي أن يأتي قومه الفاحشة مع بناته، ولا يقبل أيضا أن يشرب الخمر مهما كانت الحيلة إلى ذلك، ويضطجع مع ابنتيه تحت أي مؤثر كان - كما زعم المبطلون - مستندين إلى نصوص وردت في الإصحاح التاسع عشر من سفر التكوين[12]. · يأتي الحديث عن يوسف - عليه السلام - فيثبت له القرآن الكريم مثلما أثبت لغيره من الأنبياء من الفضائل ومكارم الأخلاق والتنزه عن المعاصي والذنوب، وفي شأنه يقول سبحانه وتعالى: (وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم) (يوسف:6) "ويجتبيك" أي: يصطفيك للنبوة، "وتأويل الأحاديث" أي: تعبير الرؤى، "ويتم نعمته عليك" أي: يجمع لك بين النبوة والملك، أو بين خيري الدنيا والآخرة. ويمكن أن نلخص من أخلاق يوسف - عليه السلام - الطيبة ما يقطع بنزاهته عن كل ما نسب إليه - كذبا وافتراء - وهي: العفة عن الشهوات، وضبط النفس عن السوء والفحشاء، قال سبحانه وتعالى: (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين) (يوسف:24) الحلم عند الغضب، وضبط النفس عن مجازاة السيئة بمثلها، قال سبحانه وتعالى: (قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون) (يوسف:77) وضع اللين في موضعه، والشدة في موضعها: (ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين (59) فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون (60) (يوسف). ثقته بنفسه: (قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) (يوسف:55) قوة الذاكرة ليمكنه تذكر ما غاب ومضى عليه سنون حتى يضبط السياسات ويعرف للناس أعمالهم: (وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون) (يوسف:58) استعداده للعلم وحبه له، وتمكنه منه: (واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون) (يوسف:38) (ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين) (يوسف:22) (رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين) (يوسف:101) شفقته على الضعفاء، وتواضعه مع جلال قدره، وعلو منصبه، فخاطب الفتيين المسجونين بالتواضع فقال: (يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) (يوسف:39) وحادثهما في أمور دنياهما ودينهما، فالأول بقوله: (إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون) (يوسف: ٣٧) والثاني بقوله: (واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء) (يوسف: ٣٨). العفو مع القدرة: (قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) (يوسف:92) إكرام العشيرة: (وأتوني بأهلكم أجمعين) (يوسف:93) حسن التدبير: (فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون) (يوسف:47) ومن حسن تدبيره، وسديد سياسته في ملكه اجتذابه القلوب إليه بالإحسان: (وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون) (يوسف:62) وتدبير الحيلة العجيبة بمسأله الصواع، واتهام إخوته بالسرقة؛ ليضم أخاه إليه (فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه) (يوسف). ومعاملة المحكومين بشرعهم وعادتهم رفقا بهم، وليكون أدعى لامتثالهم: (قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين (74) قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين (75) (يوسف)[13]. ·أما عن سيدنا موسى - عليه السلام - فقد آتاه الله حكما وعلما؛ جزاء له على إحسانه قال سبحانه وتعالى: (ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين) (القصص:14) وقد تخلق - عليه السلام - بأخلاق طيبة؛ منها: الأمانة التي وصفته بها ابنة شيخ مدين: (قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين) (القصص:26) ومنها الحياء: فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن موسى كان رجلا حييا ستيرا، لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده، إما برص وإما أدرة[14] وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى، فخلا يوما وحده، فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر. ثوبي حجر. حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربا بعصاه. فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا أو خمسا: فذلك قوله: )يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها (69)( (الأحزاب)»[15]. ومنها الحياء: فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن موسى كان رجلا حييا ستيرا، لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده، إما برص وإما أدرة[14] وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى، فخلا يوما وحده، فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر.