بينات

شبهات حول السنة النبوية

العودة للتصنيفات

الزعم أن الشيعة هم أول من دونوا السنة

الزعم أن الشيعة هم أول من دونوا السنة
 يزعم بعض المغالطين أن الشيعة هم أول من تقدم لجمع الآثار والأخبار وتدوين السنة، ويستندون في تقوية هذا الادعاء إلى أن الشيعة اقتدوا في ذلك بالإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - الذي كان له كتاب عظيم مدرج وصحيفة معلقة بسيفه, كما أن أبا رافع - رضي الله عنه - مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو أول من ألف في الأحاديث وله كتاب "السنة والأحكام والقضايا"، وقد كان - على حد زعمهم - شيعيا توفي في أول خلافة علي - رضي الله عنه - سنة خمس وثلاثين من الهجرة، فلا أقدم من أبي رافع بالضرورة. رامين من وراء ذلك إلى إبراز أن الشيعة هم المؤسسون لعلوم الإسلام٬ وأول من دونوا السنة والأخبار، وأن ما دون في كتبهم سنة صحيحة٬ وليست مكذوبة من أجل تأييد مذهبهم. 1) لقد بدأ التدوين الرسمي للسنة قبل ظهور فرق الشيعة، وعلي بن أبي طالب وأبو رافع لم يكونا شيعيين، ولم يدعوا إلى التشيع، وأول من دون من الشيعة هو الكليني في كتابه "الكافي"، بعد قرابة قرنين من التدوين الرسمي لأهل السنة. 2) إذا صح خبر أبي رافع فيكون ممن دون في عصر الصحابة، وقد سبقه عبد الله بن عمرو بن العاص، وإذا صح أن كتابه كان مرتبا على الأبواب (الصلاة والصيام والحج والزكاة والقضايا)، كان لأبي رافع شرف الأولية في التأليف لا في التدوين. 3) الشيعة لا يقرون بالسنة؛ لأنها منقولة عن طريق أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، الذين ارتدوا كلهم - حسب المنظور الشيعي - إلا ثلاثة: مقداد، وأبو ذر، وسلمان. فكيف ينسبون لأنفسهم شرف الأولية في تدوين السنة والمحافظة عليها، وقد جرحوا الطبقة الأولى (الصحابة) الواسطة بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمته، التي إذا فقدت انقطع السند والاتصال؟! لقد كتب الكثير من السنة النبوية في العصر النبوي وبعده، ثم دونت بأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز تدوينا رسميا، وذلك من أفواه من حفظوها عن الصحابة مباشرة، أو من الكتب التي تركها الصحابة رضي الله عنهم. ومعنى هذا أن كتابة السنة بدأت قبل ظهور الشيعة أصلا، فإن الشيعة فرقة ظهرت في آخر عصر عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم نمت وترعرعت في عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ الذي كان كلما اختلط بالناس ازدادوا إعجابا بمواهبه، وقوة دينه وعلمه، فاستغل الدعاة ذلك الإعجاب، وأخذوا ينشرون آراءهم فيه ما بين رأي فيه مغالاة، ورأي فيه اعتدال. قال ابن تيمية رحمه الله: "لما أحدثت البدع الشيعية في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ردها"، ويقول: "وكان المسلمون على ما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق الموافق لصحيح المنقول وصريح المعقول، فلما قتل عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ووقعت الفتنة فاقتتل المسلمون بصفين، مرقت المارقة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحق» [1] وكان مروقها لـما حكم الحكمان، وافترق الناس على غير اتفاق. وهنا حدثت أيضا بدعة التشيع للإمام علي - رضي الله عنه - وآل بيته، فمنهم من أفرط في المغالاة وادعى لعلي الألوهية، ومنهم من ادعى النص على إمامة علي رضي الله عنه، ومنهم السابون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما فعاقب أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - الطائفتين: قاتل المارقين، وأمر بإحراق أولئك الذين ادعوا فيه الألوهية. وأما السابون الذين يسبون أبا بكر وعمر، فإن عليا لما بلغه أمر السب طلب ابن السوداء الذي بلغه ذلك عنه، وقيل: إنه أراد قتله، فهرب منه إلى أرض قرقيسيا. وأما المفضلة الذين يفضلونه على أبي بكر وعمر، فروي عنه أنه قال: لا أوتي بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ضربته حد المفتري"[2]. هذا هو تاريخ ظهور الشيعة، فإذا علمنا أن كتابة السنة بدأت في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - بوضع دستور المدينة، وبكتابه - صلى الله عليه وسلم - في الصدقات، وكتاب سعد بن عبادة، وبكتابه - صلى الله عليه وسلم - لأهل حضرموت، وكتابه - صلى الله عليه وسلم - لأهل اليمن، والصحيفة الصادقة أو الصحيفة الصحيحة، وصحيفة جابر بن عبد الله رضي الله عنه، هذا بالإضافة إلى ما أرسله النبي - صلى الله عليه وسلم - من كتب ورسائل إلى الملوك والرؤساء، وما زود به النبي - صلى الله عليه وسلم - رسله إلى قومهم بكتب تضمنت الحلال والحرام، وأمور الدين، وقد جمع أكثرها في كتاب "مكاتيب الرسول صلى الله عليه وسلم" ويضم (316) كتابا[3]. إذا علمنا ذلك تيقنا أن السنة كتبت قبل ظهور هذه الفرق الشيعية بسنوات. فإذا أضفنا إلى ذلك أن التدوين الرسمي للسنة كان في عصر عمر بن عبد العزيز أي حوالي سنة مائة هجرية، وكان أول من دون السنة من الشيعة هو الكليني في القرن الرابع الهجري، إذا علمنا ذلك، تبين لنا أن أهل السنة لا الشيعة هم أول من دونوا السنة، وحفظوها لنا من الضياع، وأن تدوين الشيعة للسنة كان قد تأخر قرابة قرنين من الزمان. أما دعوى أن تدوين السنة بمعرفة الشيعة بدأ بصحيفة الإمام علي التي أملاها النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها ما كان في قراب سيفه، ثم دون أبو رافع القبطي مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتاب السنن والأحكام والقضايا، فإن هذا الادعاء مردود؛ لأن ذلك التدوين كان في عصر الصحابة، أي قبل ظهور الشيعة أصلا، كما وضحنا أن أول من دون من الشيعة هو الكليني (ت: 329هـ) في كتابه "الكافي"، ثم دون ابن بابويه (ت: 381هـ) كتاب "فقيه من لا يحضره الفقيه"، ثم دون الطوسي (ت: 460هـ) كتاب " تهذيب الأحكام"، وبعد ذلك كتاب "جامع الأخبار" للشيخ عبد اللطيف الهمذاني (ت: 1050هـ). وأما المذهب الزيدي فمن كتبه: "أحاديث البحر الزخار" لابن بهران (ت: 957هـ)، و"المجموع الفقهي", ويضم ما رواه الإمام زيد. والجعفرية يخلطون الحديث بالفقه، أي أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - بأقوال أئمتهم بسبب العصمة... والجدير بالذكر أن صحيفة الإمام علي التي أشار إليها كتاب "الكافي" تتضمن أمورا حصرها الإمام علي - رضي الله عنه - في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم, أو ما في هذه الصحيفة، قال: قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: «العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر» [4] فهذه الصحيفة قد خلت من ذكر حديث الغدير الذي بني عليه الخلاف بين السنة والشيعة، وهي لا تعد من مدونات الشيعة؛ لأن مذهبهم ظهر بعد قتل الإمام علي رضي الله عنه[5]. كما أن أبا رافع قد توفي قبل ظهور الانقسامات المذهبية والفرق الإسلامية؛ فمن التعسف اعتباره شيعيا بالمفهوم المذهبي لفرقة الشيعة, فإن حبه وولاءه لأهل البيت كحب وولاء أهل السنة لهم، وهذه ترجمته كما وردت في كتب السير: "فهو أبو رافع القبطي، مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويقال: اسمه إبراهيم، ويقال: أسلم، ويقال: ثابت، ويقال: هرمز. روي أنه كان عبدا للعباس بن عبد المطلب فوهبه للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلما بشره بإسلام العباس أعتقه، شهد أحدا، والخندق وما بعدهما من المشاهد، ولم يشهد بدرا وكان إسلامه قبل بدر، روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن عبد الله بن مسعود، قال الواقدي: مات بالمدينة بعد قتل عثمان بيسير، وقال غيره: مات قبل قتل عثمان، وقيل: مات في خلافة علي رضي الله عنهم، وروى له الجماعة"[6]. وعلى فرض أن الإمام عليا وأبا رافع رضي الله عنهما هما أول من كتبا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا لا يعني أن الشيعة أول من دون في السنة؛ لأن الإمام عليا وكذلك أبا رافع رضي الله عنهما لم يدعوا إلى التشيع بالمعنى المذهبي الذي تعارفت عليه فرق الشيعة فيما بعد، إذ هما قد توفيا قبل ذلك. لقد كان المسلمون في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - وحتى خلافة الإمام علي - رضي الله عنه - لا يختلفون في أمر السنة النبوية، ثم ظهرت الفتنة بعد خروج معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما ومن معه، واعتراضهم علي الإمام علي رضي الله عنه، بدعوى أنه تهاون في إقامة الحد على قتلة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه. ولقد أشعل المنافقون نار الفتنة فنشبت الحرب بين معاوية ومن معه من جهة، وبين الإمام علي خليفة المسلمين من جهة أخرى، وعندما قبل الإمام علي - رضي الله عنه - التحكيم حقنا للدماء خرجت عليه فرقة سميت بالخوارج وحاربوه، فكان رد الفعل أن ظهرت طائفة الشيعة وتغالت في حب الإمام علي رضي الله عنه، وردت الطائفتان الأحاديث النبوية التي رويت عن غير طريق أئمتهم، وانفردت الشيعة باعتبار أقوال أئمتهم وأفعالهم وتقريرهم بأحاديث نبوية، حتى ولو لم ترفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهي أحاديث نبوية في ذاتها لعصمة الأئمة عندهم[7]. وبهذا العرض يتضح لنا أن الشيعة ليسوا هم أول من دون أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وأن السنة قد دونت في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعهد أصحابه من بعده, وأن التابعين جاءوا بعد الصحابة الكرام وتناقلوا مدوناتهم وصحائفهم حتى كان عصر التدوين الرسمي في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز، ففي عصره وبأمره جمع ما عند التابعين، وهم الذين نقلوا عن الصحابة مباشرة. بداية نذكر أننا لم نقف فيما بين أيدينا من مصادر على هذا الخبر؛ لنستطيع أن نحكم عليه بالقبول أو الرفض، ولسنا ندري من أين جاء به المغرضون، ولكن الثابت أن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يكتبون الحديث على عهده صلى الله عليه وسلم، وقد وردت أحاديث كثيرة تؤكد ذلك، بل تأمر وتحث على كتابة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما يدحض ويبطل هذا الزعم القائل بأن الشيعة هم أول من دونوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن الأحاديث الواردة في هذا الصدد: 1. حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب» [8]. وهذا الحديث يشير إلى أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان أكثر الصحابة كتابة للحديث، وهذا يعني أن منهم كتابا كثيرين ولكنه يعد أكثرهم كتابة للحديث. 2. عن ابن عباس قال: «لما اشتد بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وجعه قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. قال عمر: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط، قال: قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع، فخرج ابن عباس يقول: إن الرزيئة كل الرزيئة ما حال بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين كتابه» [9]. ولولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يبيح الكتابة ويحث عليها ما دعا إلى كتابة هذا الكتاب في أثناء مرضه[10]. وبهذا يتبين أن أبا رافع مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس أول من كتب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو واحد ممن كتبوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم. ولكن إذا صح أن أبا رافع كتب كتاب "السنن والأحكام والقضايا"، وكان مرتبا على الأبواب: (الصلاة والصيام، والحج، والزكاة، والقضايا) - كان لأبي رافع بذلك شرف الأولية في التأليف والتصنيف لا في مجرد الكتابة والتدوين الذي يقتصرعلى جمع الأحاديث في كتاب واحد دون ترتيبها على الكتب والأبواب. وهذا بالضرورة لا يعني أن الشيعة هم أول من دون السنة، وذلك لأن أبا رافع لم يكن شيعيا بالمعنى المذهبي لمفهوم التشيع، ولم يدع إلى التشيع، ولقد توفي - رضي الله عنه - قبل ظهور الانقسامات المذهبية، مما لا يدع مجالا للشك في زيف هذه الشبهة وبطلانها. إذن صحة خبر أبي رافع لا تنفي ما ثبت تاريخيا من أخبار التدوين الفردية في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما تلاه؛ فقد بدأ تدوين السنة في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - كما سبق أن أوضحنا, وإن كان المشتهر بين عامة الناس من غير ذوى التتبع والاستقصاء أن الحديث - أو ما يطلق عليه علماء الحديث لفظ "العلم" - ظل أكثر من مائة سنة يتناقله العلماء حفظا دون أن يكتبوه، واستمر هذا الظن قرابة خمسة قرون متتابعة وهو يزداد توسعا، ويطرد قوة حتى جاء الخطيب البغدادي فتتبع مسائل هذا الموضع وجمع شتاته وألف في ذلك كتاب "تقييد العلم"، أما سبب هذا الظن فهو خطأ في تأويل ما ورد عن المحدثين في تدوين الحديث وتصنيفه، فقد ذكر هؤلاء أن أول من دون العلم ابن شهاب الزهري المتوفى سنة 124هـ أو سنة 125هـ، وذكروا أول من صنف الكتب فإذا هم جميعا ممن عاش حتى بعد سنة 143هـ تقريبا. ولم يعط العلماء قبل الخطيب البغدادي هذه الأقوال حقها من التأويل العميق والفهم الدقيق، بل رووا هذه الأقوال بشكل يوهم بأن أول من كتب الحديث ودونه فعلا هو ابن شهاب الزهري، وأول من صنفه في الكتب أتى بعده. وغلبت هذه الفكرة على أصحاب الكتب الجامعة: كأبي طالب المكي، والإمام الذهبي، والحافظ ابن حجر، والمقريزي، وصاحب أبجد العلوم وغيرهم، فكانوا يؤيدونها رغم أنهم كانوا يجدون لها نقيضا، وذلك أنهم يذكرون أن من جاء بعد الصحابة والتابعين كانوا يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة كتبت في عصر الصحابة والتابعين. إذن؛ فقد كان ثمة تدوين قبل عصر الإمام الزهري الذي يعد من طبقة صغار التابعين. وقد أثبت الخطيب أن تقييد العلم كان موجودا في حياته - صلى الله عليه وسلم - وفي عصر الصحابة والتابعين كذلك، فجمع الأحاديث والأخبار التي لها صلة بنشأة تقييد العلم، وخرج بالنتائج التالية: 1. أنه لم يصح حديث في النهي عن كتابة الحديث سوى حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه مسلم، مع اختلاف بين البخاري ومسلم في رفعه ووقفه[11].

مقالات ذات صلة