بينات

شبهات حول دواوين السنة ورواتها وعلمائها

العودة للتصنيفات

الطعن في سنن الترمذي لروايته عن غير الثقات

الطعن في سنن الترمذي لروايته عن غير الثقات
1) يطعن بعض الواهمين في سنن الإمام الترمذي بدعوى أنه روى عن غير الثقات، وأورد ما رواه عنهم تحت ما سماه الحديث الحسن، ويستدلون على ذلك بما رواه من طريق شعبة عن عاصم بن عبد الله عن عبيد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه، قال: «إن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ قالت: نعم، فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم»، قال الترمذي: "هذا حديث حسن" بالرغم من أن عاصم بن عبد الله وصف بأنه ضعيف سيء الحفظ. 2) وكذلك ما رواه من طريق يزيد بن هارون عن المسعودي عن زياد بن علاقة قال: «صلى بنا المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - فلما صلى ركعتين قام فلم يجلس، فسبح به من خلفه، فأشار إليهم أن قوموا، فلما فرغ من صلاته سلم وسجد سجدتي السهو وسلم، وقال: هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم» ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح على الرغم من أن سماع يزيد بن هارون كان عن المسعودي بعد ما اختلط. ويتساءلون. كيف يروي الترمذي عن الضعفاء وعمن سمع من مختلط بعد اختلاطه، ويحسن أحاديثهم؟! 1) إن مصطلح الحديث الحسن لم يكن من اختراع الإمام الترمذي، فقد سبقه بعض أئمة الحديث كالإمام مالك، والبخاري، وعلي بن المديني وغيرهم، ولكن الإمام الترمذي أصل له في كتابه وعرفه، وجعله قسما بين الصحيح والضعيف، وقد قسمه العلماء بعد ذلك إلى الحسن لذاته، والحسن لغيره، وهذا يدل على اقتناعهم به كمصطلح، ورضاهم عنه. 2) لقد كان للإمام الترمذي منهج معروف في التصحيح والتحسين؛ إذ يعتمد على المتابعات والشواهد، فيرتفع عنده الحديث من الضعيف إلى الحسن، ومن الحسن إلى الصحيح بهذه المتابعات وتلك الشواهد، وهو لم يقصد الرواية عن الضعفاء، وليس هذا من منهجه، وهذا ما حدث في الحديثين - موضوع الشبهة. 3) لقد اعترف كثير من علماء الحديث وأئمته بمكانة جامع الإمام الترمذي؛ لتعدد فوائده وجمعه لكل من روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا ينفي أي مطعن فيه. يعزو كثير من المتأخرين استعمال مصطلح "الحديث الحسن" بمعنى الحديث النازل عن درجة الصحيح - إلى الإمام الترمذي صاحب "الجامع"؛ والحق أن تقسيم الحديث المقبول إلى: صحيح، وحسن، لم يكن شائعا قبل الإمام الترمذي، وكان بعض من تقدم قبله من أئمة الحديث يرون أن الحديث الحسن درجة من درجات الضعيف، وذلك عند الإمام أحمد وغيره، فيما كانوا يقدمونه على القياس، ولم يكن مرادهم الضعيف المردود، فلما جاء الترمذي أظهر الاصطلاح بجعل "الحسن" أحد قسمي المقبول، ولكن بالتحقيق وجد أنه مسبوق إلى استعمال هذا المصطلح بالمعنى الذي قصد إليه، وقد سبقه به أئمة الحديث، لكنه لم يتحرر يومئذ بتعريف، وفضل الترمذي أنه هو أول من صاغ قانونه، وحرر تعريفه، فممن استعمله قبله أو من معاصريه من أئمة الحديث: 1. الإمام مالك بن أنس رحمه الله: وهو أقدم من عرف عنه ذكر "الحديث الحسن"، وذلك في تعليقه على ما روي له عن المستورد بن شداد القرشي قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره»[1]. فقال: "إن هذا الحديث حسن، وما سمعت به قط إلا الساعة"[2]. وهذا الحديث لو تتبعته صرت إلى أنه "حسن" بالمعنى الاصطلاحي، مع أن الاصطلاح لم يكن قد عرف بعد. 2.   الإمام علي بن المديني: ومما جاء عنه في ذلك في حديث عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان ذا وجهين في الدنيا كان له لسانان من نار يوم القيامة»[3]، قال ابن المديني: "إسناده حسن، ولا نحفظه عن عمار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا من هذا الطريق"[4]. 3.   الإمام محمد بن إسماعيل البخاري: قد نقل عنه الترمذي تحسينه لعدة أحاديث، وذلك في كتابي "الجامع" و"العلل الكبير" جميعها مما يتطابق مع تعريف الحديث الحسن بما تقدم، وعني به البخاري درجة في الثبوت، منها: حديث عثمان في تخليل اللحية في الوضوء[5]، وحديث ابن عباس في تخليل الأصابع[6]، وحديث عائشة «ويل للأعقاب من النار»[7] في الوضوء كذلك، وغيرها[8]. 4.   أبو حاتم الرازي: حكم بالحديث الحسن على أحاديث كثير من الرجال، من ذلك، قوله في ترجمة "عمرو بن محمد" الراوي عن سعيد بن جبير: "هو مجهول، والحديث الذي رواه عن سعيد بن جبير فهو حسن"[9]. من ثم، فالأشبه أن يكون ما اصطلحه الترمذي في عد الحديث الحسن قسيما للصحيح في جملة الحديث المقبول، مما أخذه عن شيخه البخاري، وأخذه البخاري عن شيخه علي بن المديني. ولا نعلم أحدا من أئمة هذا الشأن عاب على الترمذي هذا الاصطلاح عند ظهوره منه، بل إن من جاء من بعد قد تواردوا على متابعة الترمذي في استعماله[10]. وقد استعمل الأئمة اسم "الحسن" على كل ما هو داخل في نطاق الحجة، وإن لم يكن في أعلى درجات القبول. لذا فقد وصفوا الحديث الذي يتفرد به الراوي الصدوق، والذي هو من أدنى درجات الثقات، حيث يكون حديثه سالما من الشذوذ، سالما من العلة، وصفوه بـ "الحسن"، على أساس أنه حديث صالح للحجة؛ أي: حديث يصلح لأن يحتج به وأن تبنى عليه الأحكام، وهذا ما يسميه المتأخرون بـ "الحسن لذاته". بل لقد صرح الحافظ ابن حجر العسقلاني بأن مثل هذه الأحاديث التي وصفت بكونها حسانا، ولم يكن رواتها في أعلى درجات القبول، أي أن يكون بعض الرواة ممن يصدق عليهم أن ما تفرد به يصير حسنا، قد وجد من هذا أحاديث في "الصحيحين". ولا شك أنه ما خرجها البخاري ومسلم في "الصحيحين" إلا لأنهما قد ترجح لديهما أن هذه الأحاديث قد حفظها هؤلاء الرواة، وإن كانوا هم ليسوا في أعلى درجات الثقات، لكن ما ترجح لديهما أنهم حفظوها، وأنها سالمة من الشذوذ والعلة؛ لذا استجازا أن يدخلوها في كتاب "الصحيح"، على أساس أن "الحسن" نوع من أنواع "الصحيح". وقد أطلق أيضا "الحسن" على الحديث الضعيف الذي انضمت إليه قرينة، أو انضمت إليه رواية أو أكثر فارتقى بها إلى مصاف الحجة، وهذا ما يسميه المتأخرون "بالحسن لغيره"، وهو الذي وجد في كلام الإمام الترمذي رحمه الله حيث عرف الحسن واستعمله في كتابه الجامع. وإنما وصف الأئمة هذا الحديث بـ "الحسن"؛ لأنهم استحسنوا فيه معنى ما، وهو أنه حديث صالح للحجة، قد وجد فيه معنى يدعو العلماء إلى الاحتجاج به وإقامة الأحكام عليه، فهذا معنى يستحسن الحديث من أجله، وهو معنى راجع إلى قبول الحديث، وإلى كونه داخلا في مصاف الحجة، ومصاف الأحاديث المقبولة[11]. تأصيل الترمذي رحمه الله لمصطلح الحديث الحسن: علمنا مما سبق أن مصطلح الحديث الحسن كانت له بدايات عند بعض المحدثين، ولكن الفضل يرجع للإمام الترمذي في تأصيله لهذا المصطلح بتعريفه إياه تعريفا دقيقا، فقد عر ف الترمذي الحديث الحسن بأنه: "كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا، ويروى من غير وجه نحو ذاك، فهو عندنا حديث حسن"[12]. وقد ميز الإمام الترمذي الحديث الحسن عن الصحيح بشيئين هما: 1. أن يكون راويه قاصرا عن درجة راوي الصحيح، بل وراوي الحسن لذاته، وهو أن يكون غير متهم بالكذب؛ فيدخل فيه المستور والمجهول، ونحو ذلك، وراوي الصحيح لا بد وأن يكون ثقة، وراوي الحسن لذاته لا بد وأن يكون موصوفا بالضبط، ولا يكفي كونه غير متهم، ولم يعدل الترمذي عن قوله "ثقات" وهي كلمة واحدة - إلى ما قاله إلا لإدارة قصور "رواته" عن وصف الثقة، كما هي عادة البلغاء. 2. مجيئه من غير وجه، على أن عبارة الترمذي فيما ذكره في العلل التي في آخر جامعه "وما ذكرنا في هذا الكتاب(حديث حسن)، فإنما أردنا به حسن إسناده" إلى آخر كلامه[13]. وقد قصد الترمذي بهذا قسما من الحديث الحسن ويؤكد ذلك قول ابن الصلاح: "الحديث الحسن قسمان، أحدهما: الحديث الذي لا يخلو إسناده من مستور لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ فيما يرويه، ولا هو متهم بالكذب في الحديث؛ أي: لم يظهر منه تعمد الكذب في الحديث، ولا سبب آخر مفسق، ويكون متن الحديث مع ذلك قد عرف بأن روي مثله أو نحوه من وجه آخر أو أكثر؛ حتى اعتضد بمتابعة من تابع راويه على مثله، أو بما له من شاهد، وهو ورود حديث آخر بنحوه، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذا منكرا وكلام الترمذي على هذا القسم يتنزل"[14]. ويقول الإمام الذهبي: "والترمذي أول من خص هذا النوع باسم الحسن، وذكر أنه يريد أن يسلم راويه من أن يكون متهما، وأن يسلم من الشذوذ، وأن يروى نحوه من غير وجه"[15]. وقد انتقد أيضا؛ هذا بأنه غير جامع، فقد عرف الحسن لغيره، ولم يعرف الحسن لذاته، والتعريف لا بد أن يكون جامعا. وانتقد لأنه يقول في كتابه هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، والجواب أن شرط مجيئه من غير وجه يتحقق بمجيئه بلفظه أو معناه، وعليه يحمل قوله: لا نعرفه إلا من هذا الوجه؛ يعني بلفظه، فلا ينافي أن يكون معروفا بمعناه من وجه آخر[16]. مصطلح الحديث الحسن عند المتأخرين:  أما الحديث الحسن عند المتأخرين فقد انقسم إلى: حسن لذاته، وحسن لغيره وهو ما ذكره الترمذي. أما الحسن لذاته فهو أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح؛ لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكرا، ويعتبر في كل هذا مع سلامة الحديث من أن يكون معللا، وعلى القسم الثاني يتنزل كلام الخطابي"[17]. ويقول الحافظ ابن حجر: "فإن خف الضبط؛ أي: قل مع بقية الشروط المتقدمة في حد الصحيح، فهو الحسن لذاته"[18]، أما الحسن لغيره "فهو الذي يكون حسنه بسبب الاعتضاد، نحو حديث المستور إذا تعددت طرقه، وخرج باشتراط باقي الأوصاف الضعيف، وهذا القسم من الحسن مشارك للصحيح في الاحتجاج به، وإن كان دونه، ومشابه له في انقسامه إلى مراتب بعضها فوق بعض"[19]. وقد وافقه السيوطي في تدريب الراوي فيما حكاه عن النووي، فقال: "ثم إن الحسن كالصحيح في الاحتجاج به، وإن كان دونه في القوة، ولهذا أدرجته طائفة في نوع الصحيح"[20]. ونستطيع أن نستخلص مما سبق أن الحديث الحسن نوعان هما: 1. الحسن لذاته: هو الذي اجتمعت فيه كل شروط الحديث الصحيح إلا أن راويه خف ضبطه عن راوي الصحيح، لذلك هو من أدنى درجات الثقات إلا أنه دخل نطاق الثقة.

مقالات ذات صلة