بينات

شبهات حول دواوين السنة ورواتها وعلمائها

العودة للتصنيفات

ادعاء أن في الصحيحين خرافات وإسرائيليات موضوعة

ادعاء أن في الصحيحين خرافات وإسرائيليات موضوعة
يدعي بعض المغرضين أن في الصحيحين كثيرا من الأحاديث الخرافية، والإسرائيليات المحرفة، التي أقر "البخاري" بصحتها، ونسبها إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ويستدلون على ذلك بما ورد في صحيح البخاري من أخبار تؤكد نقل الصحابة - رضي الله عنهم - عن أهل الكتاب، منها: "أن عبد الله بن عمرو ظفر بالشام بحمل من كتب أهل الكتاب"، وكان يرويها للناس عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومنها إنكار السيدة عائشة لحديث "رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه ليلة الإسراء"، الذي رواه الشيخان عن عامر بن مسروق، كما يستدلون بمجموعة أخرى من الأحاديث، زاعمين أنها من الإسرائيليات؛ لأن رواتها من مسلمة أهل الكتاب، أو تخص شيئا من ذكر الأديان السابقة. ويتساءلون: إذا كان "كتابا البخاري ومسلم"، وهما الصحيحان كما يسمونهما، يحملان هذه الروايات المحرفة من الإسرائيليات، فترى كيف يكون الأمر في غيرهما من كتب الأحاديث؟! ويهدفون من وراء ذلك إلى نزع الثقة عن الصحيحين، فضلا عن كتب السنة عامة، ومن ثم هدم العمل بالسنة والأخذ بها. 1)  لقد أباح لنا الشرع رواية الإسرائيليات إذا وافقت شرعنا ولم تخالفه، وما جاء في الصحيحين من قبيل ذلك المباح. 2) إن الرواية التي تذكر أن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ظفر بحمل جمل من كتب أهل الكتاب، وكان يحدث منهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليست من الصحيح، ولكن ذكرها ابن حجر في أثناء شرحه لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأما زيادة جملة "يرويها عن النبي" فليست من الرواية. 3) إن رواية السيدة عائشة رضي الله عنها التي في الصحيحين تنفي رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه، وعلى فرض أن في الصحيحين إثبات الرؤية، فإن هذه قضية اختلف فيها السلف والخلف، والراجح ثبوتها للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقد نقلت كتب السنة الخلاف بمصداقية، وهي ليست مسئولة عن شيء بعد صدق النقل. 4) إن الروايات التي استدلوا بها على أنها من الإسرائيليات؛ لأن رواتها كانوا من مسلمة أهل الكتاب، أو لمجرد ذكرها لشيء يخص اليهود، روايات صادقة صحيحة، ولا مجال للطعن في هذه الروايات، طالما أن رواتها عدول ثقات. في البداية يجب أن ننوه إلى دقة المنهج الذي توخاه كل من الإمامين: البخاري ومسلم في صحيحيهما، فهما قد اشترطا الصحة في كل ما يرويانه، وليس أدل على ذلك من انتقائهما الأصح من الأحاديث، وأعلاها سندا وأصحها متنا، مما هو على شرطهما. ومن ثم، فإن ما ورد في الصحيحين من إسرائليات فهو صحيح لا شك فيه، وهو يوافق ما في الشريعة الإسلامىة. إن لفظ الإسرائيليات - كما هو ظاهر - جمع، مفرده إسرائيلية، وهي قصة أو حادثة تروى عن مصدر إسرائيلي، والنسبة فيها إلى إسرائيل، وهو نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام وإليه ينسب اليهود، فيقال: بنو إسرائيل. ولفظ الإسرائيليات - وإن كان يدل على القصص الذي يروى أصلا عن مصادر يهودية - يستعمله علماء التفسير والحديث، ويطلقونه على ما هو أوسع وأشمل من القصص اليهودي، فهو في اصطلاحهم يدل على كل ما تطرق إلى التفسير والحديث من أساطير قديمة منسوبة في أصل روايتها إلى مصدر يهودي، أو نصراني أو غيرهما، وإنما أطلق لفظ الإسرائيليات على كل ذلك من باب التغليب للون اليهودي على غيره؛ لأن غالب ما يروى من هذه الخرافات والأباطيل يرجع في أصله إلى مصدر يهودي[1]. أقسام الإسرائيليات: 1.   ما علمنا صحته مما بأيدينا من القرآن والسنة، والقرآن هو الكتاب المهيمن، والشاهد على الكتب السماوية قبله، فما وافقه فهو حق وصدق، وما خالفه فهو باطل وكذب، قال سبحانه وتعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) (المائدة:48) وهذا القسم صحيح، وفيما عندنا غنية عنه، ولكن يجوز ذكره وروايته للاستشهاد به، ولإقامة الحجة عليهم من كتبهم، وذلك مثل ما يتعلق بالبشارة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وبرسالته، وأن التوحيد هو دين جميع الأنبياء، مما غفلوا عن تحريفه، أو حرفوه، ولكن بقي شعاع منه يدل على الحق. وفي هذا القسم ورد قوله صلى الله عليه وسلم: «بلغوا عني، ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»[2]. قال الحافظ ابن حجر: قوله: "وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"؛ أي: لا ضيق عليكم في الحديث عنهم؛ لأنه كان قد تقدم منه - صلى الله عليه وسلم - الزجر عن الأخذ عنهم، والنظر في كتبهم، ثم حصل التوسع في ذلك، وكأن النهي قد وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية، والقواعد الدينية، خشية الفتنة، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك، لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار"[3]. 2.  ما علمنا كذبه مما عندنا مما يخالفه، وذلك مثل: ما ذكروه في قصص الأنبياء؛ من أخبار تطعن في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كقصة يوسف، وداود، وسليمان عليهم السلام ومثل ما ذكروه في توراتهم: من أن الذبيح هو إسحاق لا إسماعيل، فهذا لا تجوز روايته وذكره إلا مقترنا ببيان كذبه، وأنه مما حرفوه وبدلوه، قال سبحانه وتعالى: (يحرفون الكلم من بعد مواضعه) (المائدة: ٤١) و هذا القسم ورد النهي من النبي - صلى الله عليه وسلم - للصحابة عن روايته، والزجر عن أخذه عنهم، وسؤالهم عنه، قال الإمام مالك رحمه الله في حديث: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» كما ذكره ابن حجرـ المراد جواز التحدث عنهم بما كان من أمر حسن، أما ما علم كذبه فلا[4]. ولعل هذا هو المراد من قول ابن عباس: «كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدث، تقرءونه محضا لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله؛ ليشتروا به ثمنا قليلا، لا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم، لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم»[5]. 3. ما هو مسكوت عنه، لا من هذا، ولا من ذاك، فلا نؤمن به، ولانكذبه؛ لاحتمال أن يكون حقا فنكذبه، أو باطلا فنصدقه، ويجوز حكايته لما تقدم من الإذن في الرواية عنهم، ولعل هذا القسم هو المراد بما رواه أبو هريرة حين قال: «كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا (آمنا بالله وما أنزل......) (البقرة: 136) الآية»[6]. ومع هذا، فالأولى عدم ذكره؛ حتى ولا نضيع الوقت في الاشتغال به[7]. وبهذا يتضح لنا أن من الإسرائيليات ما هو صحيح مقبول يوافق شريعة الإسلام، وهذا لا غبار عليه، وتجوز روايته؛ لأن لدينا ما يوافق صدقه ويثبته، ومن هذا القبيل ما ورد في الصحيحين، مثل أحاديث البشارة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرها كثير مما يزعم المغرضون أنهما من الإسرائيليات الباطلة المحرفة. ومن الإسرائيليات ما جاء مخالفا لما في شريعة الإسلام، وعلمنا كذبه مما لدينا من نصوص قرآنية أو نبوية، وذلك مردود غير مقبول، ولا يسمح بروايته، وهذا النوع لم يرد بحال من الأحوال في الصحيحين. ومنها - أي الإسرائيليات - ما سكت عنه الشرع عنه وليس فيه ما يؤيده أو يعارضه، وهذا لا نكذبه ولا نؤمن به، وتجوز حكايته، ومن هذا النوع ما رواه "ابن كثير" عند تفسيره لقوله سبحانه وتعالى: (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين) (البقرة:67) وما بعدها إلى آخر القصة، في سورة البقرة عن السدي. يقول د. محمد أبو شبهة "ولقد كان لجهابذة الحديث ونقاده جهد مشكور في الكشف عن هذه الإسرائيليات، وتمييز صحيحها من باطلها، وغثها من سمينها، وما من رواية من روايات كعب وغيره إلا ونقدوها نقدا علميا نزيها، ولولا هذا الجهد الرائع من علماء المسلمين لكانت طامة على الإسلام والمسلمين، ولقد بلغ من تحوط أئمة الحديث البالغ الغاية أنهم قالوا: إن قول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه يكون له حكم الرفع إذا لم يكن مرفوعا بالأخذ عن علماء أهل الكتاب الذين أسلموا، أما إذا كان معروفا بالأخذ عنهم فلا؛ لجواز أن يكون من الإسرائيليات، وهو تحوط يدل على أصالة في النقد وبعد نظر محمود من المحدثين"[8]. ومن هنا يتأكد خلو الصحيحين من الخرافات والإسرائيليات الباطلة التي لا أصل لها.  وأما ما جاء في الصحيحين مما ورد عند الأمم السابقة، فهو من النوع الأول من الإسرائيليات؛ أي: مما جاء في شريعة الإسلام، ووافق هذه الإسرائيليات، وصدقها.  ومن ثم، فلا ضير بحال من الأحوال أن تأتي مثل هذه الإسرائيليات في الصحيحين. إذا ثبت وعلم مدى الثقة العظمى في الصحيحين، وما اشتملا عليه من الأحاديث والروايات؛ فما القول في الروايات التي يذكرها هؤلاء المغرضون على أنها إسرائيليات وخرافات؟ في حقيقة الأمر إذا رجعنا إلى هذه الأحاديث والروايات التي ذكرها هؤلاء الطاعنون نجدها إما محرفة عن أصلها الصحيح في الصحيحين، وإما لفهم خاطئ من الطاعن، وإما أنها جاءت من الإسرائيليات المقبولة عن مسلمة أهل الكتاب، مما علمنا صحته مما بأيدينا، أو لمجرد أن في رواتها واحدا من مسلمة أهل الكتاب. ومن هذه الروايات التي ذكرها هؤلاء الطاعنون، ما ورد - على حد زعمهم - في صحيح البخاري يقول: إن عبد الله بن عمرو ظفر بحمل جمل من كتب أهل الكتاب وكان يرويها للناس عن النبي صلى الله عليه وسلم. وللرد على ذلك نقول: 1. إن هذه الرواية لم يذكرها "البخاري" في صحيحه، ولم يروها، وإنما هي قول من مجموعة أقوال كثيرة اختلقها المغرضون، ونسبوها إلى الإمام "البخاري"، وزعموا أنها في صحيح البخاري، وهو أمر غير صحيح. 2. "إن هذه الرواية حينما وردت في "فتح الباري"، لم ترو فيها - عبارة "عن النبي"، بل الذي ورد في فتح الباري هو من قول ابن حجر عند شرحه لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «ما من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد أكثر حديثا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب»[9]. ثم ذكر أن من وجوه زيادة مرويات أبي هريرة عن مرويات عبد الله بن عمرو رغم وجود هذا الحديث، فقال: "رابعها: أن عبد الله كان قد ظفر في الشام بحمل جمل من كتب أهل الكتاب، فكان ينظر فيها، ويحدث منها، فتجنب الأخذ عنه لذلك كثير من أئمة التابعين"[10]. وهذا يبين أن هذه الإضافة لم تذكر في أي رواية لهذا الحديث، وإلا فأين هي عند البخاري؟! وبهذا يتأكد لدينا أن المغرضين يريدون بوجه أو بآخر أن يوهموا القارئ أن أكثر الأحاديث النبوية إسرائيليات، جاءت من كتب اليهود والنصارى، وكانت تروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - متقولين على عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما "أنه كان يروي ما عثر عليه من صحف أهل الكتاب على أساس أنها من أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن الثابت أنه كان يرويها على أنها من أقوال أهل الكتاب، ولم يكن يرويها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والأصل بين أيدينا يؤكد ما ذكرناه، أما كلامهم فلا دليل عليه إلا تعنتهم أمام السنة وأهلها[11]. ومما يستدل به الطاعنون أيضا لإثبات أن الصحيحين بهما إسرائيليات ما رواه الشيخان عن عامر بن مسروق "أن عائشة ردت حديث رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - لربه ليلة الإسراء". والرد على هذه الفرية يتمثل في أن الرواية محرفة عن أصلها، ومنسوبة إلى الشيخين؛ إذ إنه لا يوجد عند الشيخين "البخاري ومسلم" حديث رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - لربه، فهذا اختلاق من أصحاب هذه الشبهة، فالذي رواه الشيخان هو حديث مسروق عن عائشة، وفيه: عن مسروق قال: «قلت لعائشة رضي الله عنها: يا أمتاه، هل رأى محمد - صلى الله عليه وسلم - ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب: من حدثك أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت: )لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (103)( (الأنعام)، )وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب( (الشورى: ٥١)، ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت )وما تدري نفس ماذا تكسب غدا( (لقمان: ٣٤)، ومن حدثك أنه كتم فقد كذب، ثم قرأت )يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك( (المائدة: ٦٧) ولكن رأى جبريل - عليه السلام - في صورته مرتين»[12]. ومن خلال هذا النص للحديث الذي ذكره الشيخان في صحيحيهما بهذه الرواية، يتضح لنا أن عائشة لم تكذب رواية البخاري ومسلم، بل نفت تمام النفي رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - لربه ليلة الإسراء، وقد نقلا عنها الرواية سالفة الذكر ثم كيف تكذبهما، ولم يكونا في عصرها؟!  إن الزاعم يريد أن يختلق وجود تناقض في روايات البخاري ومسلم؛ لهدم السنة النبوية بزعمه أن الشيخين قد رويا حديث رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - الله - سبحانه وتعالى - وما هو كذلك، وإنما قولهم هذا محض افتراء لا يسمن ولا يغني من جوع[13]. ومن هنا نرى أن البخاري ومسلما لم يرويا حديث رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه، وهذا يدحض ويرد على زعمهم هذا، وعلى فرض وجود رواية تنص على رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه في الصحيحين، فإن هذا لا يطعن فيهما؛ لأن هذه قصة اختلف فيها السلف والخلف، كما يقول القاضي عياض: "فأنكرته عائشة رضي الله عنها كما وقع في رواية مسلم، وجاء مثله عن أبي هريرة وجماعة، وهو المشهور عن ابن مسعود، وإليه ذهب جماعة من المحدثين والمتكلمين، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رآه بعينه، ومثله عن أبي ذر وكعب رضي الله عنهما والحسن البصري رحمه الله وكان يحلف على ذلك، وحكي مثله عن ابن مسعود، وأبي هريرة، وأحمد بن حنبل"[14]. ويقول الإمام النووي: الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى ربه بعيني رأسه ليلة الاسراء؛ لحديث ابن عباس وغيره: «أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم»[15]، وقد راجعه ابن عمر في هذه المسألة، وراسله هل رأى محمد - صلى الله عليه وسلم - ربه؟! فأخبره أنه رآه، وإثبات هذا لا يأخذونه إلا بالسماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وهذا مما لا ينبغي أن يتشكك فيه، ثم إن عائشة رضي الله عنها لم تنف الرؤية بحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو كان معها فيه حديث لذكرته، وإنما اعتمدت على الاستنباط من الآيات[16]. وعلى هذا يتأكد لنا أن هذه الادعاءات والافتراءات نابعة من اختلاق وجهل هؤلاء الطاعنين، دون فهم صحيح لما يقولونه. إن المغرضين يعولون لإثبات أن في الصحيحين إسرائيليات - على مجموعة من الأحاديث والروايات التي بها مجرد ذكر لما يخص اليهود، أو على الروايات التي كان رواتها من مسلمة أهل الكتاب، مثل: "كعب الأحبار"، و "وهب بن منبه"، و "عبد الله بن سلام". ومن هذه الروايات حديث "البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم"، وذكر أوصافه في التوراة, وحديث "الإسراء والمعراج"، ومراجعة موسى - عليه السلام - لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وحديث «لا تشد الرحال...»، وحديث «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق... وهم بالشام»[17]، وغير ذلك كثير! هذه جملة أحاديث يذكرها الطاعنون، ليس لهم فيها دليل إلا أنها تخص شيئا عن اليهود بصورة أو بأخرى، وهذا استدلال في حد ذاته مبتعد عن الصواب، وهو تهافت يفتقد إلى الرجحان، فما المانع في أن يذكر شيء مما يخص الأمم السابقة في شرعنا وسنتنا؛ حيث إن هذا الدين جاء ناسخا لما قبله من الأديان، ومهيمنا عليها، وهو يذكر منها ما يوافق شرعنا، وما تصدقه النصوص التي بين أيدينا؟! ومن ثم، فلا يجوز الطعن في الرواة الذين أسلموا وصلح إسلامهم، كما هو حال "كعب الأحبار"؛ إذ اتفق الجمهور على توثيقه، فهل يظل الرجل معذبا مطعونا فيه، لمجرد أنه كان يهوديا، وكذلك القول في "وهب بن منبه"، وإنما كان منهج هؤلاء القوم الذين لا منهج لهم "أن يعتبروا كل ما روي عن كعب الأحبار ووهب بن منبه وأمثالهما مختلق مكذوب، وأن مروياتهم ليس فيها صدق ولا حق، حتى ولو كان في شريعتنا ما يؤيد هذا المروي ويصدقه"[18]. كما يستدلون أيضا بحديث البشارة الذي رواه الإمام البخاري وفيه: "حدثنا محمد بن سنان حدثنا فليح حدثنا هلال عن عطاء بن يسار قال: «لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قلت: أخبرني عن صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التوراة، قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله؛ حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينا عمىا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا»[19]. ولقد اعتبر المغرضون أن هذا الحديث من الإسرائيليات لأمرين، الأول منهما: أنه جاء من رواية أحد تلاميذ كعب الأحبار، وهو "عبد الله بن عمرو بن العاص"، والآخر: أنه يخص شيئا مما جاء في التوراة، يذكر أوصاف النبي - صلى الله عليه وسلم - متوهمين أن هذه الرواية بهذه المعايير تعد خرافة من الخرافات. وبإلقاء نظرة سريعة على كلام الله - سبحانه وتعالى - تتلاشى هذه الشبهة أمام الناظرين؛ إذ جاء القرآن الكريم بما جاء به هذا الحديث، مما يؤكد أن الحديث صحيح، وليس من الإسرائيليات كما يدعون. فأين أصحاب هذه الشبهة من قول الله سبحانه وتعالى: (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون (156) الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون (157) (الأعراف) ؟. إن هذا الحديث ما هو إلا تصديق لما ورد في القرآن الذي لا يتطرق إليه الشك، وسواء أكان هذا الحديث قد حمله عبد الله بن عمرو عن كعب، أم لم يحمله عنه، أو كان مما علمه عبد الله بن عمرو من كتبهم، فقد صدقه الكتاب المهيمن، فهو حق وصدق، والتصديق به واجب[20]. أما عن حديث "الإسراء والمعراج"، وما فيه من مراجعة موسى لنبينا محمد عليهما السلام في تخفيف الصلاة[21]، فنجيب قائلين: 1. إن الداعي الأول للطعن في هذا الحديث، أنه ذكر فضلا لنبي الله موسى - عليه السلام - في مراجعة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ليلة المعراج؛ كي يخفف الله - سبحانه وتعالى - على أمته الصلوات، وهل هذا برهان قاطع، أو حجة بينة لاعتبار هذا الحديث من الإسرائيليات؟! إننا لو اعتبرنا هذا، لشككنا في مجموع الأحاديث التي جاءت في ذكر مناقب الرسل السابقين عليهم السلام، وما بالنا والقرآن الكريم قد ذكر تفصيلا لقصص كثير من الأنبياء، ومن بينهم رسل بني إسرائيل، فهل هذه الأخرى نعتبرها إسرائيليات تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.

مقالات ذات صلة