ادعاء أن صحيح البخاري حوى أحاديث تخالف العقيدة
يدعي بعض المشككين أن صحيح البخاري قد حوى أحاديث تخالف العقيدة، ويستدلون على ذلك بالحديث المروي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنما الشؤم في ثلاثة في الفرس والمرأة والدار». فهم يرون أن هذا الحديث لا تصح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يشتمل على شرك صريح، وذلك لأن الحديث يشير مضمونه إلى أن المرأة والدار والفرس مصادر للشر باستقلالها، وأن المؤمن يجب عليه أن يعتقد ذلك، ولا شك أن في هذا شركا لا ينكر. ويهدفون من وراء ذلك إلى الطعن في صحيح البخاري لاشتماله على هذا الحديث. · ليس في صحيح البخاري أي أحاديث تخالف العقيدة، وأما عن الحديث الذي بين أيدينا، فإن المراد منه نفي صحة الشؤم ووجوده حقيقة، فالمراد من شؤم الدار ضيقها وسوء جوارها، وشؤم المرأة عقمها وسلاطة لسانها، وشؤم الفرس ألا يغزى عليه؛ وذلك لأن هذه الأشياء سبب لشقاوة المرء، كما دلت على ذلك أحاديث صحيحة، و يؤكد هذا أن البخاري وغيره قد روى أحاديث كثيرة في تكريم الإسلام للمرأة، وفي فضل الخيل وبركتها إذا اتخذت للغزو. إن الطاعنين في صحيح البخاري قد بنوا كلامهم كله على فهم خاطئ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الشؤم في ثلاثة...»([1]) الحديث، ولو أنهم تأملوا أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الموضوع، وجمعوها كلها في مكان واحد، وتأملوها بفكر العالم وإخلاص المؤمن لما وقعوا فيما وقعوا فيه. والشيء العجيب أنهم قد حملوا صحيح البخاري نتيجة فهمهم الخاطئ، وثاروا عليه ثورة عارمة آخذين من زلتهم نقطة ارتكاز، ومبدأ انطلاق لإنكار السنة النبوية نفسها، وما كان هذا المسلك سائغا لهم ولا مقبولا منهم([2]). ومجازفة هؤلاء برد هذا الحديث؛ لأنه - حسب زعمهم - يخالف الشرع، يقتضي الطعن في كل العلماء الذين نقلوه وصححوه، ومنهم: الإمام مالك، وأحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، فضلا عن البخاري سلطان المحدثين. أما الذي عليه الأئمة الأعلام أن مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذا الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - ينفي ما كان يدعيه أهل الجاهلية من الشؤم في الأشياء، وإباحته لمن تشاءم من شيء من هذه الثلاثة (المرأة أو الدار أو الدابة) أن يتحول عنها؛ لئلا يستمر اعتقاده الشؤم فيها([3]). والحديث أخرجه البخاري في الجهاد والسير، باب: ما يذكر في شؤم الفرس، والإمام مسلم في السلام، باب: الطيرة والفأل وما يكون فيه الشؤم، والنسائي في عشرة النساء، باب: شؤم المرأة، والترمذي، كتاب: الأدب، باب: الشؤم. والإمام مالك في الموطأ، كتاب: أبواب السيرة وغيره، باب: النوادر. وهذا يدل على أن الحديث قد أجمع المحدثون على قبوله؛ لأنهم فهموا المقصد الحقيقي الذي يرمي إليه النبي صلى الله عليه وسلم. وقد ذكر ابن حجر في "الفتح" أقوال أهل العلم في ذلك، ثم عقب عليها: قال أبو العباس القرطبي: "ولا يظن به أن يحمله على ما كانت الجاهلية تعتقده بناء على أن ذلك يضر وينفع بذاته؛ فإن ذلك خطأ، وإنما عني أن هذه الأشياء هي أكثر ما يتطير به الناس، فمن وقع في نفسه شيء أبيح له أن يتركه ويستبدل به غيره". وقال المازري: "مجمل هذه الرواية: إن يكن الشؤم حقا فهذه الثلاث أحق به، بمعنى أن النفوس فيها التشاؤم بهذه أكثر مما يقع بغيرها". وقد روى ابن القاسم عن مالك أنه سئل عنه فقال: كم من دار سكنها ناس فهلكوا. قال المازري: فيحمله مالك على ظاهره، والمعنى: أن قدر الله ربما اتفق مع ما يكره عند سكنى الدار فتصير في ذلك كالسبب، فتسامح في إضافة الشيء إليه اتساعا. وقال ابن العربي: "لم يرد مالك إضافة الشؤم إلى الدار، وإنما هو عبارة جري العادة فيها، فأشار إلى أنه ينبغي للمرء الخروج عنها؛ صيانة لاعتقاده عن التعلق بالباطل". قال ابن حجر: "قلت: وما أشار إليه ابن العربي في تأويل كلام مالك أولى، وهو نظير الأمر بالفرار من المجزوم مع صحة نفي العدوى، والمراد بذلك حسم المادة وسد الزريعة؛ لئلا يوافق شيء من ذلك القدر فيعتقد من وقع له أن ذلك من العدوى أو من الطيرة، فيقع في اعتقاد ما نهي عن اعتقاده، فأشير إلى اجتناب مثل ذلك، والطريق فيمن وقع له ذلك في الدار مثلا أن يبادر إلى التحول منها؛ لأنه متى استمر فيها ربما حمله ذلك على اعتقاد صحة الطيرة والتشاؤم"([4]). وقال الزرقاني: "قال القاضي عياض: يعني لو كان له وجود في شيء لكان في هذه الثلاثة؛ لأنها أقبل الأشياء له، لكن لا وجود له فيها، فلا وجود له أصلا... قال الطيبي: وعليه فالشؤم محمول على الكراهة التي سببها ما في الأشياء من مخالفة الشرع والطبع، كما قيل: شؤم الدار ضيقها وسوء جيرانها، وشؤم المرأة عقمها وسلاطة لسانها، وشؤم الفرس أن لا يغزى عليها، فالشؤم فيها عدم موافقتها له طبعا وشرعا. وقيل: "هذا إرشاد منه - صلى الله عليه وسلم - لمن له دار يسكنها، أو امرأة يكره عشرتها، أو فرس لا يوافقه، أن يفارقها بنقل أو طلاق، ودواء ما لا تشتهيه النفس تعجيل الفراق، والبيع أي للدابة أو للدار - فلا يكون بالحقيقة من الطيرة"([5]). يقول المباركفوري: ومعنى هذا الحديث، إن فرض وجود الشؤم يكون في هذه الثلاثة، والمقصود منه نفي صحة الشؤم ووجوده على وجه المبالغة، فهو من قبيل قوله صلى الله عليه وسلم: «العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين»([6]). وقال الخطابي: هو استثناء من غير الجنس معناه إبطال مذهب الجاهلية في التطير، فكأنه قال: إن كانت لأحدكم دار يكره سكناها، أو امرأة يكره صحبتها، أو فرس يكره سيره فليفارقه، ومنها: أنه ليس المراد بالشؤم في قوله: "الشؤم في ثلاثة" معناه الحقيقي، بل المراد من شؤم الدار ضيقها وسوء جوارها، ومن شؤم المرأة أن لا تلد، وأن تحمل لسانها عليك، ومن شؤم الفرس أن لا يغزى عليه، وقيل: حرانها([7]) وغلاء ثمنها. ويؤيد هذا الجمع ما أخرجه أحمد وصححه ابن حبان والحاكم من حديث سعد مرفوعا: «من سعادة ابن آدم ثلاثة، ومن شقوة ابن آدم ثلاثة، من سعادة ابن آدم: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح، ومن شقوة ابن آدم: المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء»([8]). وفي رواية ابن حبان: "المركب الهنيء والمسكن الواسع". وفي رواية للحاكم: «ثلاثة من السعادة وثلاثة من الشقاوة...ومن الشقاوة المرأة تراها فتسوؤك وتحمل لسانها عليك، وإن غبت عنها لم تأمنها على نفسها ومالك، والدابة تكون قطوفا، فإن ضربتها أتعبتك، وإن تركبها لم تلحق أصحابك، والدار تكون ضيقة قليلة المرافق»([9])([10]). وهذا ما فهمه العلماء من هذا الحديث، وهو فهم عاقل متأن لا يمكننا الاستغناء عن مثله. إنه لمن قبيل الأمر الطبيعي أن يكون في طبع الإنسان مع أخيه الإنسان إقبال وإدبار واستحسان ونفور ورضا وسخط، وأنت تستطيع أن تقول مثل ذلك في علاقة الإنسان بالمكان من حيث ضيقه واتساعه، ومن حيث جيرانه والمحيطين به، وتستطيع أن تقول مثل ذلك في المركب، من حيث إنه مبعث للراحة، أو مثير للقلق والاضطراب، وتستطيع أن تقول مثل ذلك في الزوجة، من حيث هي سكن لزوجها، أو قلق، ومن حيث هي رحمة لزوجها، أو مبعث شقاء، ومن حيث إنها متوددة إلى بعلها، أو عنيدة شاذة مضطربة. وتستطيع أن تقول ذلك في سيف الرجل وسلاحه إلى غير ذلك من الأشياء التي تحيط بالإنسان، ولا غنى له عن نوعها. والإسلام يتعامل مع المرء مع ما فيه من هذه الطباع، فإن وجده نافرا بطبعه مضطربا في علاقته مع بعض أفراد نوع بعينه إنسانا أو حيوانا أو جمادا، وعلم المشرع بعلمه المحيط أنه لو أجبر على علاقة معينة و تلازم لا ينفك مع هذا الفرد الذي يكرهه أو الشيء الذي يتشاءم منه أثر ذلك في عقيدته، ولم يفعل الشرع ذلك، بل إنه ليضع من التشريع ما يبيح للمسلم الابتعاد عما يكره واستبداله ببعض أفراد النوع وهي كثيرة. فمن المعلوم بنص الشرع أن بعض الزوجات أعداء لأزواجهن، وقد ورد في قصص القرآن من نحو امرأة نوح وامرأة لوط، كما ورد في تقعيد القرآن العام، قال عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم) (التغابن:14) وعدم التوافق هذا موجود تشهد به العادة والتجربة اليومية، والشرع الحكيم مشهود له بالعرفان في دلالته للإنسان على سبل الخير والسعادة. أما الذين أنكروا الحديث وطعنوا في أصح كتاب بعد كتاب الله - عز وجل - وهم يحسبون أنهم على شيء، فإننا ننصحهم بالقراءة والإطلاع في كل علم يتصل بالإنسان، وإلا فإنه يجب عليهم أن يتحملوا كبر ما قالوه"([11]). ويؤكد ما سبق أن الشرع قد كرم المرأة، ونبه إلى مكانتها في المجتمع في أحاديث كثيرة، من ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - للرجال بحسن معاملة النساء، فقال: «استوصوا بالنساء خيرا»([12]) وأخرج الترمذي وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال موصيا رجال الأمة بأن يعاملوا أزواجهم معاملة حسنة: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي...»([13]). وقد كرم النبي - صلى الله عليه وسلم - المرأة باعتبارها أما، فقال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه: «جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يارسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟