دعوى إهمال الشيخين لأحايث فضائل بني أمية مداراة للعباسيين
يتهم بعض المغرضين الإمامين - البخاري ومسلما - بالخوف والجبن وخاصة عند جمعهما الصحيحين. ويستدلون على ذلك بأنهما لم يذكرا أحاديث في فضائل بني أمية؛ مداراة للحكام العباسيين، بعكس الإمام أحمد الذي تجلت في مسنده الشجاعة وعدم الخوف من العباسيين، فذكر أحاديث كثيرة في فضل بني أمية. رامين من وراء ذلك إلى الطعن في الإمامين الكبيرين البخاري ومسلم والتشكيك في نزاهتهما. 1) لقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما أحاديث في فضائل بني أمية، كما أخرجا أحاديث في فضل علي وأبنائه أكثر من العباس وابنه، والعباسيون يعتبرون العلويين مناوئين لهم، فلو كان البخاري ومسلم يداهنان العباسيين لما ذكرا مثل هذه الأحاديث التي تمدح أعداءهم. 2) إن السبب في كثرة أحاديث فضائل بني أمية في مسند الإمام أحمد قياسا على الصحيحين هو أنه كان يرى التساهل في رواية أحاديث الفضائل دون الأحكام، أما البخاري ومسلم فلم يأخذا بهذا المنهج، بل تشددا في كل ما روياه، وعدم تنفيذهما أوامر الحكام إذا مست العلم خير دليل على عدم مداراة الحكام آنذاك. لقد كان الإمام البخاري ومسلم - رحمهما الله - من أجل العلماء والمحدثين وأتقاهم لله - عز وجل - يتضح ذلك لنا من سيرتهم التي رويت في تراجمهم، هذا فضلا عن قوة ذاكرتهم وشدة حفظهم. يقول الحسين بن محمد بن عبيد المعروف بالعجلي: "ما رأيت من العلماء مثل محمد بن إسماعيل، ومسلم حافظ، ولكنه لم يبلغ مبلغ محمد بن إسماعيل، وكان أمة من الأمم دينا فاضلا يحسن كل شيء". وقال عبدالله بن عبد الرحمن الدارمي: "قد رأيت العلماء بالحرمين والحجاز والشام والعراق فما رأيت فيهم أجمع من محمد بن إسماعيل"، وقال أيضا: "هو أعلمنا وأفقهنا وأكثرنا طلبا"[1]. ويقول النووي في مقدمة شرحه لصحيح مسلم: "أجمع العلماء على إمامته وضلاعته وتقدمه وتسنمه قمة علم الحديث، وقد وشوه بأجل تيجان المدح، وأفخر حلى الثناء"[2]. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: "كان مسلم ثقة من الحفاظ له معرفة بالحديث، كتبت عنه بالري، وسئل أبي عنه فقال: صدوق، وقال أبو بكر الجارودي: حدثنا مسلم بن الحجاج وكان من أوعية العلم"[3]. إذن فهذان هما علما هذه الأمة علما وخلقا وورعا، فكيف يجوز أن يشكك هؤلاء في أمانتهما وتلك هي حالهما؟! إن من أوضح الأدلة على أن البخاري ومسلما لم يداهنا العباسيين هو أنهما قد رويا أحاديث كثيرة في فضل بني أمية؛ فقد أفرد البخاري بابا لذكر معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - روى فيه بسنده عن ابن أبي مليكة قال: «أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس، فقال: دعه فإنه صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم»[4]، وفي رواية قال: «... إنه فقيه»[5]،فظاهر شهادة ابن عباس له بالفقه والصحبة هنا دالة على الفضل الكثير[6]. كما أفرد البخاري - رحمه الله - بابا في مناقب عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وهو من شجرة بني أمية، وبابا في قصة البيعة واتفاق الناس على عثمان - رضي الله عنه - بعد مقتل عمر بن الخطاب، وكذلك فعل مسلم، فقد روى أحاديث كثيرة في فضائل الخليفة الراشد عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وأفرد بابا لفضائل أبي سفيان - رضي الله عنه - روى فيه بسنده عن ابن عباس قال: «كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله! ثلاث أعطنيهن. قال: نعم. قال: عندي أحسن العرب وأجمله، أم حبيبة بنت أبي سفيان، أزوجكها، قال: نعم. قال: ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك.