الزعم أن بعض الأئمة أباحوا إتيان النساء في أدبارهن
يدعي بعض المغرضين أن من أئمة الإسلام ورواة الحديث من أباح إتيان النساء في أدبارهن. زاعمين أن مالك أفتى بجوازه، وكذلك الإمام الشافعي حيث قال: "ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في تحليله ولا تحريمه شيء، وأن القياس أنه حلال"، والنسائي فيما نسب إليه أنه قال: "لا يصح في الدبر شيء"، وروى عن ابن عباس أنه قال: «اسق حرثك حيث شئت» فلا ينبغي أن يتجاوز قوله. رامين من وراء ذلك إلى الطعن في أئمة الإسلام وزعزعة ثقة المسلمين بهم. 1) لقد أجمعت الأمة سلفا وخلفا بالأدلة النقلية والعقلية على حرمة إتيان النساء في أدبارهن، ولم يخالف في ذلك أحد. 2) لقد خلط أصحاب هذه الشبهة في القديم والحديث، وحاولوا إلصاق إباحة هذه التهمة بعلماء المسلمين، ولقد دفع العلماء عن أنفسهم هذه الشبهة، مكذبين من ألصق بهم الإباحة في هذه المسألة، موضحين حرمة هذا الفعل. لقد حرمت الشريعة الإسلامية إتيان المرأة في دبرها، لما روي «أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إتيان النساء في أدبارهن، أو إتيان الرجل امرأته في دبرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حلال"، فلما ولى الرجل دعاه، أو أمر به فدعي، فقال: كيف قلت؟ في أي الخربتين أو في أي الخرزتين، أو في أي الخصفتين، أمن دبرها في قبلها؟ فنعم. أم من دبرها في دبرها؟ فلا، إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن» ([1]). والخربة: الثقبة. ففي هذا تحريم واضح من النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذا الفعل، ولما نزلت آية قوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) البقرة: [223]. وضح النبي - صلى الله عليه وسلم - المقصود قائلا «أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة» ([2]). وكان هذا أيضا ردا على عمر -رضي الله عنه- إذ جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: يا رسول الله، هلكت! قال: وما أهلكك؟ قال: حولت رحلي الليلة، قال: فلم يرد عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئا قال: فأوحي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذه الآية، وذكر الحديث. وكذا ما حدث من أن أحد المهاجرين تزوج بأنصارية، وكان أهل قريش يشرحون([3]) النساء شرحا منكرا، ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه، وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف، فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني، حتى شري([4]) أمرهما، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم ـ؛ فأنزل الله عز وجل: (فأتوا حرثكم أنى شئتم) أي مقبلات ومدبرات ومستلقيات؛ يعني ذلك موضع الولد([5]). ومما يؤكد ذلك ما ورد في قوله سبحانه وتعالى: (فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) البقرة: [222]. مع قوله: (فأتوا حرثكم) ؛ بما يدل على أن في المأتي اختصاصا، وأنه مقصور على موضع الولد([6]). ففي الآية والأحاديث السابقة نص في إباحة الحال والهيئات كلها إذا كان الوطء في موضع الحرث؛ أي كيف شئتم، من خلف ومن قدام وباركة ومستلقية ومضطجعة، فأما الإتيان في غير المأتي فمحرم، و"حرث" تشبيه؛ لأنهن مزدرع الذرية، فلفظ "الحرث" يعطي أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج خاصة؛ إذ هو المزدرع([7])، ولقد سمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إتيان المرأة في دبرها اللوطية الصغرى، وأخبر صلى الله عليه وسلم: «من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم» ([8]). ومن ثم فإن القول بأن الأئمة والرواة أباحوا إتيان النساء في أدبارهن قول مردود؛ إذ إنهم أعلم الأمة بالكتاب والسنة، لذا فإنهم قد أفتوا في ضوء هذه النصوص وغيرها بحرمة إتيان المرأة في دبرها، وذكر ابن القيم في كتابه "بدائع الفوائد" أنه من الكبائر، ويعزر فاعله، وقيل: يكفر كفارة إتيان الحائض، وللمرأة حق الفسخ به([9]). وعن ابن عباس من طريق أخرى موقوفة رواها عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه، قال: «سئل ابن عباس عن الذي يأتي امرأته في دبرها، فقال: هذا يسألني عن الكفر»([10]). ولقد ذكر العلماء أحاديث صحيحة حسان شهيرة رواها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اثنا عشر صحابيا بمتون مختلفة؛ كلها تؤيد تحريم إتيان النساء في الأدبار، ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم. وروي عن طاوس أنه قال: "كان بدء عمل قوم لوط إتيان النساء في أدبارهن"، وقال ابن المنذر: "وإذا ثبت الشيء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استغنى به عما سواه"([11]). وقد أخرج البيهقي في سننه عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: «قالت اليهود: إنما يكون الحول إذا أتى الرجل امرأته من خلفها، فأنزل الله عز وجل: (نساؤكم حرث لكم) من بين يديها، ومن خلفها، غير ألا يأتيها إلا في المأتي» ([12]). وروي عن جابر - رضي الله عنه - قال: «إن يهود كانت تقول: إذا أتيت المرأة من دبرها في قبلها، ثم حملت كان ولدها أحول. قال: فأنزلت: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) ([13]). وزاد في حديث النعمان عن الزهري: «إن شاء مجبية، وإن شاء غير مجبية، غير أن ذلك في صمام واحد» ([14]). قال النووي في شرحه لأحاديث الباب: "قال العلماء: وقوله تعالى: (فأتوا حرثكم أنى شئتم) أي: موضع الزرع من المرأة، وهو قبلها الذي يزرع فيه المني لابتغاء الولد. ففيه إباحة وطئها في قبلها إن شاء من بين يديها، وإن شاء من ورائها، وإن شاء مكبوبة، وأما "الدبر" فليس بحرث ولا موضع زرع. ومعنى قوله: (أنى شئتم) أي: كيف شئتم، واتفق العلماء الذين يعتد بهم على تحريم وطء المرأة في دبرها، حائضا كانت أو طاهرا؛ لأحاديث كثيرة مشهورة، كحديث: «ملعون من أتي امرأة في دبرها» ([15]). قال أصحابنا: "لا يحل الوطء في الدبر في شيء من الآدميين، ولا غيرهم من الحيوان في حال من الأحوال"([16]). فبهذا تتبين حرمة إتيان النساء في أدبارهن نقلا، وبالعقل أيضا تثبت الحرمة، فقد ذكر أبو عمر بن عبد البر أن العلماء لم يختلفوا في الرتقاء التي لا يوصل إلى وطئها أنه عيب ترد به، والفقهاء كلهم على ذلك؛ لأن المسيس هو المبتغي بالنكاح، وفي إجماعهم على هذا دليل على أن الدبر ليس بموضع وطء، ولو كان موضعا للوطء ما ردت من لا يوصل إلى وطئها في الفرج. وقد قال أصحاب أبي حنيفة: إنه عندنا - أي من يأتي المرأة في دبرها - ولائط الذكر سواء في الحكم؛ ولأن القذر والأذى في موضع النجو([17]) أكثر من دم الحيض، فكان أشنع، وأما صمام البول فغير صمام الرحم. وقال ابن العربي في قبسه: قال لنا الشيخ الإمام فخر الإسلام أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين فقيه الوقت وإمامه: الفرج أشبه شيء بخمسة وثلاثين، وأخرج يده عاقدا بها. وقال: مسلك البول ما تحت الثلاثين، ومسلك الذكر والفرج ما اشتملت عليه الخمسة، وقد حرم الله تعالى الفرج حال الحيض لأجل النجاسة العارضة، فأولى أن يحرم الدبر لأجل النجاسة اللازمة([18]). لقد بات واضحا أن إتيان النساء في أدبارهن محرم شرعا، ومستهجن عقلا، ولا يظن عاقل أنه بعد كل هذه الأدلة النقلية والعقلية المؤكدة على تحريمه، أن يكون من علماء المسلمين - بل من الأئمة والرواة - من يخالف إجماع المسلمين في ذلك ليقول بإباحته. ومن العجيب أن المتوهمين ذكروا علماء يقولون بحرمة هذه الفعلة، واشتهر عنهم ذلك، وكأنهم يحاولون إلصاق القول بالإباحة بهؤلاء العلماء رغما عنهم في القديم والحديث، حتى إن العلماء راحوا يكذبون هؤلاء القوم، أما الإمام مالك - رحمه الله - فقد كان يحرم هذه الفعلة؛ حيث يروي معن بن عيسى عن مالك أن ذلك حرام. وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: حدثني إسماعيل بن حصن، حدثني إسرائيل بن روح: "سألت مالك بن أنس: ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ قال: ما أنتم إلا قوم عرب، هل يكون الحرث إلا موضع الزرع؟! لا تعدو الفرج، قلت: يا أبا عبد الله، إنهم يقولون: إنك تقول ذلك؟! قال: يكذبون علي يكذبون علي"، فهذا هو الثابت عنه رضي الله عنه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم قاطبة، وهو قول سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، وعكرمة وطاوس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، ومجاهد بن جبر، والحسن وغيرهم من السلف، أنهم أنكروا ذلك أشد الإنكار، ومنهم من يطلق على فاعله الكفر، وهو مذهب جمهور العلماء([19]). ثم إننا لا نستطيع أن نسلم بصدق الروايات التي نسبت إلى الإمام مالك في القول بإباحة هذه الفعلة؛ إذ إن في أسانيدها ضعفا شديدا. ويذكر القرطبي في تفسيره أنه حكي عن مالك القول بالإباحة في كتاب له يسمى "كتاب السر"، وحذاق أصحاب مالك ومشايخهم ينكرون ذلك الكتاب - وهم بلا شك أعلم - ومالك أجل من أن يكون له " كتاب سر"، ووقع هذا القول في العتبية. وذكر ابن العربي أن ابن شعبان أسند جواز هذا القول إلى زمرة كبيرة من الصحابة والتابعين، وإلى مالك من روايات كثيرة في كتاب " جماع النسوان وأحكام القرآن"... والصحيح في المسألة ما بيناه، وما نسب إلى مالك وأصحابه من هذا الاستحلال باطل وهم مبرءون من ذلك؛ لأن إباحة الإتيان مختصة بموضع الحرث - كما أشرنا، لقوله سبحانه وتعالى: (فأتوا حرثكم) ولأن الحكمة في خلق الأزواج بث النسل، فغير موضع النسل لا يناله ملك النكاح([20]). ولذا فإن القول بأن مالكا قد أباح ذلك يعد ضربا من التعنت والجهل الفاضح بحقيقة الأمور. وكذلك كان حال الشافعي - رحمه الله - فقد قال: «أخبرنا عمي محمد بن علي بن شافع قال: أخبرني عبد الله بن علي بن السائب، عن عمرو بن أحيحة بن الجلاح، عن خزيمة بن ثابت، أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إتيان النساء في أدبارهن، أو إتيان الرجل امرأته في دبرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حلال. فلما ولى الرجل دعاه، أو أمر به فدعي، فقال: كيف قلت، في أي الخربتين أو في أي الخرزتين، أو في أي الخصفتين. أمن دبرها في قبلها؟