الزعم أن النقاد القدامى كانوا يتساهلون في توثيق الرواة
رامين من وراء ذلك إلى القول باضطراب الحكم على الرجال، وكثرة تساهل أئمة الجرح والتعديل في توثيق الرواة. 1) لقد أجمع أئمة الحديث على إمامة العجلي في علم الحديث، وأنه أحد نقاد الآثار وصيارفة العلل وأئمة الجرح والتعديل، أما من توهم أنه متساهل في التوثيق فمردود عليه بوجوه تبين أن الأمر ليس كما توهم. 2) إن ابن خزيمة جرح رواة بالجهالة، ورد حديثهم بذلك في مواضع كثيرة من كتابيه (صحيح ابن خزيمة، التوحيد)، فلو كان الأصل عنده إجراء الرواة على الثقة والعدالة لم يكن لجرحه بالجهالة معنى. 3) إن منهج ابن حبان في التوثيق لا يعني أن من وثقهم في كتابه "الثقات" هم ممن يحتج بهم، بل فيهم من هو حجة، وفيهم من هو دون ذلك ممن هو صالح الاعتبار، وقد أفصح هو عن ذلك في مقدمة الكتاب. 4) إن كلام الحاكم النيسابوري في النقلة في التحقيق معتبر قوي، وتعديله فيما يصف به الرواة من الثقة والصدق مقبول محتج به. 5) إن التحقيق العلمي يدلنا على أن ابن عبد البر جرح بالجهالة في مواضع كثيرة، ورد بها أحاديث رواها مجهولون لم يطعن عليهم إلا بالجهالة. لقد أثنى العلماء القدامى على العجلي ثناء يبين أنه إمام من أئمة النقد، وأنه من كبار الحفاظ، مع التدين المتين والورع والزهد، حتى إنه كان يقرن في ذلك بيحيى بن معين والإمام أحمد بن حنبل إمامي السنة والجرح والتعديل. فقد قال عنه الذهبي: "له مصنف مفيد في الجرح والتعديل، طالعته، وعلقت منه فوائد تدل على تبحره بالصنعة وسعة حفظه. وقد ذكر (أي العجلي) للعباس بن محمد الدوري، فقال: كنا نعده مثل أحمد بن حنبل ويحيى بن معين"[1]. وذكره الإمام الذهبي في كتابه "ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل"[2]، وذكره السخاوي في رسالته "المتكلمون في الرجال"[3]. وكتاب العجلي في الجرح والتعديل أحد الموارد التي اعتمد عليها الخطيب البغدادي، والحميدي، وابن عساكر، والمزي، والذهبي، وابن رجب الحنبلي، والحافظ ابن حجر، والسخاوي، والسيوطي، وابن العماد الحنبلي، وغيرهم. وثناء الأئمة عليه بذلك استمر في حياته وعصره، إلى زمن الإمام الذهبي، بل إلى ما بعد ذلك، حتى العصر الحديث. بل لقد مضى الأئمة على اعتماد أقوال العجلي، والنص على أنه من أئمة الجرح والتعديل المعتمدين، وعلى الثناء على كتبه في الجرح والتعديل[4]. وعلى هذا لم نجد أحدا من الأئمة السابقين - قبل العصر الحديث - من وصم العجلي بالتساهل في التوثيق، أو أنه لا يعتمد على توثيقه إذا انفرد به لراو لم نجد فيه قولا لغيره. أما الرد على أدلة من توهم أن العجلي متساهل في التوثيق، فسيكون من وجوه هي: 1. أما توثيقه لمن لم نجد لغيره فيهم كلاما، فما وجه دلالتهم على تساهله إذن؟ وهل تزيد على أن أعلنا جهلنا؟ وأننا عجزنا أن نعرف حال الراوي إلا من طريق العجلي؟! ثم إن كان هذا دليلا على تساهل العجلي، فلن ينجو إمام من أئمة الجرح والتعديل من أن يكون متساهلا كالعجلي؛ لأنه لا يخلو إمام - لاسيما المكثرون من نقد الرواة - من أن نجد له توثيقا لراو لا متكلم فيه غيره، فصفوا يحيي بن معين، وأحمد بن حنبل، والبخاري وغيرهم بالتساهل إذن بنفس الحجة التي وصفتم بها العجلي بذلك!! 2. وأما مخالفة العجلي بتوثيقه لرواة جهلهم غيره من الأئمة، فمتى يكون من عنده زيادة علم مقدما على غيره إذا لم نقبل توثيق العجلي في هذه الحالة؟! إن قول الإمام عن راو: إنه (مجهول) إعلام من الإمام عن عدم معرفته له، وإعلان منه أنه لا يخبر حاله، فإذا قال إمام آخر عن ذلك الراوي: إنه (ثقة)، فليس في ذلك مخالفة أصلا، ولا هذه المسألة من مسائل تعارض الجرح والتعديل؛ لأن من جهل الراوي توقف عن الحكم عليه بالثقة أوالضعف لعدم معرفته له، وأما من وثقه فقد عرفه، وعرف من حاله ما يستحق به التوثيق، فأصدر هذا الحكم عليه. وهنا نقول: من كان عنده علم حجة على من لم يكن عنده علم. والعجلي إمام كبير، أكبر سنا وأعلى إسنادا من الإمام البخاري، وكان يقرن بالإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في العلم - كما أشرنا سابقا - فمثله لا ينكر عليه أن يعرف من يجهله غيره من أئمة النقد، ولا يستغرب منه أن يكون حجة على عدم علم غيره من حفاظ الحديث، هذا عن توثيقه من يجهلهم غيره ويعلم هو حالهم. أما إن كان هذا الاستدلال على تساهل العجلي مبني على كونه يوثق من يجهلهم هو أيضا، فهذا قول عجيب جدا؛ إذ لو لم يكن من أدلة بطلانه إلا أن العجلي قد صرح برد المجهول، ووصف رواة بالجهالة (دون توثيق)، لكفى به ردا على القول بتساهل العجلي. فقد قال عن بقية بن الوليد: "ثقة ما روى عن المعروفين، وما روى عن المجهولين فليس بشيء"[5]. وقال عن مروان بن معاوية: "كوفي ثقة ثبت، وما حدث عن الرجال المجهولين فليس حديثه بشيء[6]". كما وصف عددا من الرواة بالجهالة، مثل: ثعلبة بن عباد[7]، وشعيب بن ميمون[8]، وعلى العقيلي[9]، وغيرهم، فهل بعد هذا يصح أن نقول: إنه يوثق من جهلهم؟! 3. وأما بالنسبة لمخالفة العجلي بتوثيقه لرواة ضعفهم غيره أو تركهم سواه، فإن هذا أمر لا إشكال فيه في علم الجرح والتعديل؛ إذ إن اختلاف اجتهادات الأئمة في الرواة جرحا وتعديلا أمر معروف وواقع علمي صحيح، فإن لكل إمام شروطا تختلف عن غيره في ثوثيق الرواة وتضعيفهم، فقد تجد إماما قد وثق من ضعفه غيره أو ضعف من وثقه غيره، وربما كان الصواب مع من وثقه، وربما كان العكس. "فجرح الرواة وتعديلهم قائم على اجتهاد النقاد، وكل ما رجع إلى الاجتهاد فهو مظنة للاختلاف، وذلك اختلاف جائز توجبه سنة التفاوت في العلم والفهم"[10]. قال المنذري: "اختلاف هؤلاء كاختلاف الفقهاء، كل ذلك يقتضيه الاجتهاد، فإن الحاكم إذا شهد عنده بجرح شخص، اجتهد في أن ذلك القدر مؤثر أم لا، وكذلك المحدث إذا أراد الاحتجاج بحديث شخص، ونقل إليه فيه جرح، اجتهد فيه هل هو مؤثر أم لا"[11]. 4. أما القول بعدم اعتماد الحافظ ابن حجر على توثيق العجلي فهذا قول باطل؛ إذ بالنظر إلى مؤلفات ابن حجر نجد أنه اعتمده مرات كثيرة سواء أكان وحده هو الموثق أم معه غيره. وكتابا "تهذيب التهذيب" و "تقريب التهذيب" لابن حجر خير شاهد على ذلك، ونذكر من هذه الأمثلة ما يلي: ذكر حفص بن عمر بن عبيد الطنافسي في "التقريب" وقال عنه: "ثقة " [12]، مع أنه لم يذكر في التهذيب له موثقا غير العجلي[13]. وها هو يقول عن أم الأسود الخزاعية في "التقريب": "ثقة" [14]، مع أنه لم يذكر في "التهذيب" أن أحدا وثقها غير العجلي[15]. ولما ذكر الحافظ في "التهذيب": البراء بن ناجية الكاهلي، وتوثيق العجلي وابن حبان له، مع قول الذهبي عنه: فيه جهالة لا يعرف، تعقب الحافظ قول الذهبي بقوله: "قد عرفه العجلي وابن حبان فيكفيه" [16]. وأمثلة ذلك كثيرة جدا. نعم... هناك مواطن أخرى ينقل الحافظ ابن حجر في "التهذيب" توثيق العجلي، ومع ذلك لا يقول عن ذلك الراوي الذي نقل فيه توثيق العجلي في "التقريب": "ثقة" بل يقول: "مقبول" ولذلك أيضا أمثلة كثيرة. فليس عدم اعتماد الحافظ لتوثيق العجلي في مواطن قاضيا على اعتماده عليه في مواطن أخرى، بل العكس هو الصواب؛ لأن العجلي إمام من جلة أئمة الجرح والتعديل - كما سبق من كلام الأئمة عنه - فبأي حجة نعرض عن اعتماد قوله في راو لا مخالف له فيه أصلا؟ ونقول في هؤلاء الرواة الذين لم يعتمد الحافظ فيهم توثيق العجلي ما نقوله تماما في رواة وثقهم يحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبو حاتم، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم، وذكر الحافظ ذلك عنهم في "التهذيب"، ومع ذلك قال عن هؤلاء الرواة الذين وثقهم أولئك الأئمة وأمثالهم في بعض الأحيان: "مقبول"، فهل نقول: إن الحافظ لا يعتمد توثيق أولئك الأئمة؟ أم نلتمس الأعذار للحافظ؟ ونقول: لعل له اجتهادا، أو لعله سبق قلم، أو هو خطأ معذور صاحبه مأجور إن شاء الله تعالى. المهم ألا يكون عدم اعتماد الحافظ لتوثيق العجلي في بعض الأحيان سببا لعدم اعتمادنا نحن توثيقه، وإلا ألجأنا القياس الصحيح على ذلك إلى عدم اعتمادنا توثيق يحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبي حاتم، وأبي داود، والنسائي، وهذا هو الباطل!! ثم لنفترض - جدلا - أن الحافظ لم يكن يعتمد توثيق العجلي، فهل الحافظ حجة على غيره من الأئمة، الذين وصفوا العجلي بالإمامة في الحديث، حتى قرنوه بابن معين والإمام أحمد؟! ويمكن أن نعارض الحافظ بتصرف غيره من الحفاظ، كابن رشيد السبتي، الذي اعتمد توثيق العجلي لعمرة بن جديد في مقابل جهالة أبي زرعة وأبي حاتم وابن عبد البر وغيرهم له؛ ليؤكد لنا بذلك عظيم اعتداده بتوثيق العجلي، وليعطينا مثالا واقعيا لما سبق أن ذكرناه: من أن توثيق الإمام مقدم على جهل غيره من الأئمة؛ لأن مع الموثق زيادة علم. وهذا أبو عبد الله ابن المواق يرد على ابن القطان الفاسي؛ لقوله عن حسان بن عبد الله الضمري: "لا يعرف"، بقوله: "وليس كذلك، فإنه معروف ثقة، لا يضره ألا يروي عنه إلا واحد. قال أبو مسلم صالح بن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي الكوفي: حدثني أبي، قال: وحسان بن الضمري شامي تابعي ثقة. وذلك لا يضره فيه قول من لم يعرفه: إنه غير مشهور، فمن علم أولى ممن لم يعلم، وأبو الحسن الكوفي أحد الأئمة في هذا الشأن"[17]. وبذلك نكون قد رددنا على أدلة من توهم أن العجلي متساهل في التوثيق، وبينا أن جميع الأئمة السابقين على رأي واحد: وهو اعتقاد إمامة العجلي في علم الحديث، وأنه أحد نقاد الآثار وصيارفة العلل، وأئمة الجرح والتعديل، وأنه يقرن في النقد بالإمام أحمد ويحيى بن معين[18]. لقد توهم بعض المتأخرين أن ابن خزيمة كان يوثق المجهولين، وهذا يرد عليه من وجهين هما: 1. أنه لا يعاب ناقد من أئمة الحديث بالقول: (يوثق المجهولين)؛ لأنه ما من النقاد أحد وثق راويا إلا وقد أخرجه بذلك التوثيق من جملة المجهولين، ولكن بما قام له من الحجة على ثقته، بناء على ما هو معلوم من تمكن ذلك الناقد في الصنعة.