كيف نَقبَلُ الأحاديثَ التي فيها إخبارُ النبيِّ ﷺ بالغيوبِ المستقبليَّة؟
الجوابُ التفصيليّ:يتبيَّنُ دحضُ هذه الشبهةِ مِن وجوه:1- إخبارُ الرسُلِ ببعضِ الغيبِ الذي أطلَعَهم اللهُ عليه، لا يعارِضُ الآياتِ التي تَنْفي عنهم - وعن غيرِهم - الاطِّلاعَ الكاملَ على الغيبِ كلِّه:ففي القرآنِ نفسِهِ دفعٌ لهذا الإشكال، وبالتحديدِ في الآيةِ التي تلي الآيةَ التي استشهَدَ بها أصحابُ هذه الشبهة؛ وهي قولُهُ تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا} [الجن: 26] فقد قال تعالى بعدها: {إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} [الجن: ٢٧] فوقوعُ الاستثناءِ دالٌّ على أن اللهَ يُطلِعُ على غيبِهِ مَن يشاءُ مِن الرسُلِ البشريَّةِ والملائكيَّة؛ فإخبارُهم ببعضِ الغيبِ الذي أطلَعَهم اللهُ عليه، لا يعارِضُ الآياتِ التي تَنْفي عنهم - وعن غيرِهم - الاطِّلاعَ الكاملَ على الغيبِ كلِّه؛ فالشبهةُ باطلةٌ مِن هذه الجهة.ويكونُ إخبارُ النبيِّ ﷺ ببعضِ أحداثِ الغيبِ المستقبليَّةِ مِن الغيبِ الذي أطلَعهُ اللهُ تعالى عليه؛ وذلك مثلُ إخبارِهِ ﷺ بما سيحدُثُ مِن الفِتَنِ التي وقَعتْ بعد وفاتِه، وإخبارِهِ عن الحوادثِ التي تكونُ بين يَدَيِ الساعةِ؛ كخروجِ الدجَّالِ، ويأجوجَ ومأجوجَ، ونزولِ عيسى عليه السلام، وأخبارِ المَهْديِّ، وغيرِها، وهو موافِقٌ للآياتِ القرآنيَّةِ التي تُفيدُ اصطفاءَ اللهِ عزَّ وجلَّ لمَن ارتَضى مِن رسُلِهِ بإعلامِهم ببعضِ الغيوب.2- في القرآنِ إخبارٌ عن إعلامِ اللهِ تعالى بعضَ الرسُلِ ببعضِ الغيوب:فإن اللهَ جلَّ وعلا أخبَرَ في القرآنِ أن مِن معجِزاتِ رسولِهِ عيسى - عليه وعلى رسولِنا الصلاةُ والسلامُ - إخبارَهُ ببعضِ الغيوب؛ حيثُ قال مخاطِبًا قومَهُ: {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} [آل عمران: ٤٩] والسؤالُ هنا: هل هذه الآيةُ مناقِضةٌ للآياتِ التي تَنْفي عِلمَ الغيبِ عن غيرِ اللهِ تعالى؟ الجوابُ كما سبَقَ الإيضاحُ: لا؛ لأنه بعضُ الغيبِ الذي أطلَعَ اللهُ عليه رسُلَه؛ كما أخبَرَ القرآن.3- الإخبارُ بالمغيَّباتِ مِن معاني النبوَّةِ والرسالة:اصطفى اللهُ مِن خلقِهِ رسُلًا وأنبياءَ نبَّأهم مِن هذا الغيبِ بما يشاءُ، وأطلَعَهم منه على ما لم يُطلِعْ عليه غيرَهم؛ كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ} [آل عمران: ١٧٩] وقال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} [الجن: 26- ٢٧] وقال تعالى: {اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: ٧٥] فهو سبحانه يختارُ مِن الناسِ والملائكةِ مَن يُطلِعُهُ ويُخبِرُهُ ببعضِ أنباءِ الغيب؛ ولذلك سُمِّيَ النبيُّ: «نبيًّا» مِن الإنباءِ، أي: الإخبار، وقد أخبَرَ اللهُ في كتابِهِ أن ما يحدِّثُ به نبيُّه ﷺ مِن أخبارِ الغيبِ إنما هو وحيٌ منه تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا} [هود: ٤٩] هذا؛ ونفيُ اختصاصِ الأنبياءِ بإخبارِ اللهِ لهم ببعضِ الغيبِ، فيه إبطالٌ للنبوَّة؛ لأنهم يُخبِرون عن أسماءِ اللهِ وصفاتِهِ وأفعالِه، وهي غيبٌ، وعن أحداثِ اليومِ الآخِرِ، وهي غيبٌ؛ فالإخبارُ بالغيوبِ الدنيويَّةِ أقرَبُ مِن الإخبارِ عن اللهِ وأسمائِهِ وصفاتِهِ وأفعالِه، والجنَّةِ والنار؛ فأيُّ شيءٍ يميِّزُ الأنبياءَ إذَنْ عن غيرِهم؟!