حدثنا علي بن محمد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني العشر قالوا يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ يَعْنِي الْعَشْرَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ
قَوْله ( مَا مِنْ أَيَّام ) كَلِمَة مِنْ زَائِدَة لِاسْتِغْرَاقِ النَّفْي وَجُمْلَة الْعَمَل الصَّالِح صِفَة أَيَّام وَالْخَبَر مَحْذُوف أَيْ مَوْجُودَة أَوْ خَيْر وَهُوَ الْأَوْجَه قَوْله ( مِنْ هَذِهِ الْأَيَّام ) مُتَعَلِّقَة بِأَحَبّ وَالْمَعْنَى عَلَى حَذْف الْمُضَاف أَيْ مِنْ عَمَل هَذِهِ الْأَيَّام لِيَكُونَ الْمُفَضَّل وَالْمُفَضَّل عَلَيْهِ مِنْ جِنْس وَاحِد ثُمَّ الْمُتَبَادِر مِنْ هَذَا الْكَلَام عُرْفًا أَنَّ كُلّ عَمَل صَالِح إِذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْأَيَّام فَهُوَ أَحَبّ إِلَى اللَّه تَعَالَى مِنْ نَفْسه إِذَا وَقَعَ فِي غَيْرهَا وَهَذَا مِنْ بَاب تَفْضِيل الشَّيْء عَلَى نَفْسه بِاعْتِبَارَيْنِ وَهُوَ شَائِع وَأَصْل اللُّغَة فِي مِثْل هَذَا الْكَلَام لَا يُفِيد الْأَحَبِّيَّة بَلْ يَكْفِي فِيهِ الْمُسَاوَاة لِأَنَّ نَفِي الْأَحَبِّيَّة يَصْدُق بِالْمُسَاوَاةِ وَهَذَا وَاضِح وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ لَا يَظْهَر لِاسْتِبْعَادِهِمْ الْمَذْكُور بِلَفْظِ وَلَا الْجِهَاد إِذْ لَا يُسْتَبْعَد أَنْ يَكُون الْجِهَاد فِي هَذِهِ الْأَيَّام أَحَبّ مِنْهُ فِي غَيْرهَا أَوْ مُسَاوِيًا لِلْجِهَادِ فِي غَيْرهَا نَعَمْ لَوْ كَانَ الْمُرَاد أَنَّ الْعَمَل الصَّالِح فِي هَذِهِ الْأَيَّام مُطْلَقًا أَيّ عَمَل كَانَ أَحَبّ مِنْ الْعَمَل فِي غَيْرهَا مُطْلَقًا أَيّ عَمَل كَانَ حَتَّى إِنَّ أَدْنَى الْأَعْمَال فِي هَذِهِ الْأَيَّام أَحَبّ مِنْ أَعْظَم الْأَعْمَال فِي غَيْرهَا لَكَانَ الِاسْتِبْعَاد مُوَجَّهًا لَكِنْ كَوَّنَ ذُلّك مُرَادًا بَعِيد لَفْظًا وَمَعْنَى فَلَعَلَّ وَجْه اِسْتِبْعَادهمْ أَنَّ الْجِهَاد فِي هَذِهِ الْأَيَّام يُخِلّ بِالْحَجِّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون فِي غَيْرهَا أَحَبّ مِنْهَا فِيهَا وَحِينَئِذٍ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا رَجُل أَيْ جِهَاد رَجُل بَيَان لِفَخَامَةِ جِهَاده وَتَعْظِيم لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ بَلَغَ مَبْلَغًا لَا يَكَاد يَتَفَاوَت بِشَرَفِ الزَّمَان وَعَدَمه.