الزعم أن تعدد قراءات القرآن نوع من الاختلاف والتحريف
يتوهم بعض الطاعنين أن تعدد قراءات القرآن الكريم يدل على الاختلاف فيه، وأن هذا - في رأيهم - نوع من التحريف؛ قاصدين الطعن في تعدد القراءات والحكمة من هذا التعدد، ومن ثم التشكيك في عصمة القرآن. 1) إن تعدد القراءات لا يعني الاختلاف والتغاير؛ بل إن النظرة المنصفة لهذا التعدد وما نيط به من حكم من شأنها أن تبين بجلاء ووضوح ما في هذا التعدد من إعجاز وبيان.2) تعدد القراءات لا ينتج عنه أي اختلاف في أصول الدين ولا فروعه، إنما هي طرق متنوعة في الأداء الصوتي أكثر منها في البنية الصرفية أو التركيب النحوي، وهي مضبوطة بضوابط وضعها العلماء.3) تعدد القراءات وحي من عند الله ووقف منقول عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وليس تبعا لأهواء البشر وأذواقهم.4) تعدد القراءات القرآنية لا يشمل إلا كلمات وألفاظا محصورة فقط في بعض الآيات.5) قراءة الكلمة القرآنية على أكثر من وجه نحوي أو صرفي، يساعد على أداء المعاني ما دام قد أقرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا لا يعني تضاد المعاني أو تناقض المدلولات. لم يعرف هؤلاء الطاعنون شيئا عن المفهوم الحقيقي والمعنى الاصطلاحي لعلم القراءات، فأخذوا بظاهر اللفظ من ناحية اللغة، وحسبوا أن تعدد القراءات يعني تغايرها، كما يدل عليه ظاهر لفظ "تعدد" في العرف اللغوي العام.بينما كلمة "تعدد" هنا - في اصطلاح هذا العلم - لا تعني الاختلاف والتغاير المؤدي إلى اختلاف المعاني وتغايرها، لأننا إذا بحثنا في جميع القراءات لن نلحظ أي اختلاف أو تغاير ذي بال في المعاني أو الألفاظ. من هنا فإننا نوجه عناية هؤلاء المدعين إلى ضرورة مطالعة هذا العلم ومدارسته ومعرفة قواعده، ونحن على يقين من أنهم بعد ذلك سوف يهتدون إلى يقين لا شك فيه بأنه لا خلاف بين القراءات، وأن تعددها لا يغير في المعاني ولا فيما يترتب على ذلك من الأحكام. وعن أسباب تعدد القرءات ونزول القرآن على سبعة أحرف يقول: المحقق ابن الجزري: وأما سبب وروده على سبعة أحرف، فللتخفيف عن هذه الأمة وإرادة اليسر بها، والتهوين عليها شرفا لها، وتوسعة ورحمة وخصوصية لفضلها، وإجابة لقصد نبيها أفضل الخلق وحبيب الحق، حيث أتاه جبريل فقال: «إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف"، فقال صلى الله عليه وسلم: "أسأل الله معافاته ومعونته؛ فإن أمتي لا تطيق ذلك"، ولم يزل يردد المسألة حتى بلغ سبعة أحرف» ( [1])، ثم قال: "وكما ثبت أن القرآن نزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف، وأن الكتاب قبله كان ينزل من باب واحد على حرف واحد، وذلك أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - كانوا يبعثون إلى أقوامهم خاصة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى جميع الخلق، أحمرهم وأسودهم، عربيهم وعجميهم، وكانت لغات العرب - الذين نزل القرآن بلغتهم - مختلفة وألسنتهم شتى، ويعسر على أحدهم الانتقال من لغة إلى غيرها، أو من حرف إلى أحرف، بل قد يكون أحدهم لا يقدر على ذلك، ولو بالتعليم والعلاج، لا سيما الشيخ والمرأة ومن لم يقرأ كتابا، كما أشار إليه - صلى الله عليه وسلم - فلو كلفوا العدول عن لغتهم والانتقال عن ألسنتهم، لكان من التكليف بما لا يستطاع، وما عسى أن يتكلف المتكلف وتأبى الطباع. ا.هـ ونحيطك علما هنا بأن لهذا الاختلاف والتعدد فوائد أخرى، منها: 1. جمع الأمة الإسلامية الجديدة على لسان واحد يوحد بينها، وهو لسان قريش الذي نزل به القرآن الكريم، والذي انتظم كثيرا من مختارات ألسنة القبائل العربية، التي كانت تختلف إلى مكة في موسم الحج وأسواق العرب المشهورة.فكان القرشيون يستملحون ما شاءوا، ويصطفون ما راق لهم من ألفاظ الوفود العربية القادمة إليهم من كل صوب وحدب، ثم يصقلونه ويهذبونه ويدخلونه في دائرة لغتهم المرنة، التي أذعن جميع العرب لها بالزعامة وعقدوا لها راية الإمامة، وعلى هذه السياسة الرشيدة نزل القرآن على سبعة أحرف، يصطفي ما شاء من لغات القبائل العربية على نمط سياسة القرشيين، بل أوفق، ومن هنا صح أن يقال: إنه نزل بلغة قريش؛ لأن لغات العرب جمعاء تمثلت في لسان القرشيين بهذا المعنى، وكانت هذه حكمة إلهية سامية، فإن وحدة اللسان العام من أهم العوامل في وحدة الأمة، خصوصا أول عهدها بالتوثب والنهوض. 2. الجمع بين حكمين مختلفين بمجموع القراءتين، كقوله سبحانه وتعالى: (فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن) (البقرة: ٢٢٢) ، قرئ بالتخفيف والتشديد في حرف الطاء من كلمة "يطهرن" ولا ريب أن صيغة التشديد تفيد وجوب المبالغة في طهر النساء من الحيض؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، أما قراءة التخفيف فلا تفيد هذه المبالغة، ومجموع القراءتين يحكم بأمرين هما: • أن الحائض لا يقربها زوجها حتى يحصل أصل الطهر، وذلك بانقطاع الحيض.• أنها لا يقربها زوجها أيضا إلا إذا بالغت في الطهر، وذلك بالاغتسال، فلا بد من الطهرين كليهما في جواز قربان النساء، وهو مذهب الشافعي ومن وافقه. 3. الدلالة على حكمين شرعيين، ولكن في حالين مختلفين، كقوله - عز وجل - في بيان الوضوء: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (المائدة: 6)، قرئ بنصب لفظ (أرجلكم) وبجره، فالنصب يفيد طلب غسلها؛ لأن العطف حينئذ يكون على لفظ المنصوب، وهو مغسول، والجر يفيد طلب مسحها؛ لأن العطف حينئذ يكون على لفظ (رؤوسكم) المجرور وهو ممسوح، وقد بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن المسح يكون للابس الخف، وأن الغسل يجب على من لم يلبس الخف. 4. دفع توهم ما ليس مرادا كقوله سبحانه وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) (الجمعة: 9) وقرئ (فامضوا إلى ذكر الله)، القراءة الأولى يتوهم منها وجوب السرعة في المشي إلى صلاة الجمعة، ولكن القراءة الثانية رفعت هذا التوهم؛ لأن المضي ليس من مدلوله السرعة.5. بيان لفظ مبهم نحو قوله سبحانه وتعالى: (وتكون الجبال كالعهن المنفوش (5)) (القارعة) ، وقرئ: " كالصوف المنقوش "، فبينت القراءة الثانية أن العهن هو الصوف.تجلية عقيدة ضل فيها بعض الناس، نحو قوله - عز وجل - في وصف الجنة وأهلها: (وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا (20)) (الإنسان). جاءت القراءة بضم الميم وسكون اللام في لفظ "وملكا كبيرا"، وجاءت قراءة أخرى بفتح الميم وكسر اللام في هذا اللفظ نفسه، فرفعت هذه القراءة الثانية نقاب الخفاء عن وجه الحق في عقيدة رؤية المؤمنين لله تعالى في الآخرة؛ لأنه - سبحانه وتعالى - هو الملك وحده في تلك الدار: (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار (16)) (غافر). 6. تنوع القراءات يقوم مقام تعدد الآيات، وذلك ضرب من ضروب البلاغة، يبتدئ من جمال هذا الإيجاز، وينتهي إلى كمال الإنجاز أضف إلى ذلك: ما في تنوع القراءات من البراهين الساطعة، والأدلة القاطعة على أن القرآن كلام الله، وعلى صدق من جاء به، وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن هذه الاختلافات في القراءة - على كثرتها - لا تؤدي إلى تناقض في المقروء وتضاده، ولا إلى تهافت وتخاذل، بل القرآن كله - على تنوع قراءاته - يصدق بعضه بعضا، ويبين بعضه بعضا، ويشهد بعضه لبعض، على نمط واحد في علو الأسلوب والتعبير، وهدف واحد من سمو الهداية والتعليم، وذلك - من غير شك - يفيد تعدد الإعجاز لتعدد القراءات والحروف. معنى هذا أن القرآن يعجز إذا قرئ بهذه القراءة، ويعجز أيضا إذا قرئ بقراءة ثانية، ويعجز أيضا إذا قرئ بقراءة ثالثة، وهلم جرا، ومن هنا تتعدد المعجزات، بتعدد تلك الوجوه والحروف، ولا ريب أن ذلك أدل على صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنه أعظم في اشتمال القرآن على مناح جمة في الإعجاز وفي البيان، على كل حرف ووجه، وبكل لهجة وبيان: (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم (42)) (الأنفال)( [2]). بالإضافة إلى ما سبق، يؤكد د. محمد محمد أبو شهبة على مزيد من المعاني والحكم في هذا الشأن، قائلا: "إن هذه التوسعة والإباحة في القراءة بأي حرف من الحروف السبع، إنما كانت في حدود ما نزل به جبريل - عليه السلام - وما سمعوه من النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك بدليل أن كلا من المختلفين كان يقول: أقرأنيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعقب على قراءة كل من المختلفين بقوله: "هكذا أنزلت"، ولا يتوهمن متوهم أن التوسعة إنما كانت باتباع الهوى والتشهي، فذلك ما لا يليق أن يفهمه عاقل، فضلا عن مسلم؛ إذ الروايات الواردة ترده وتبطله، إن هذه التوسعة مظهر من مظاهر الرحمة والنعمة، فلا ينبغي أن تكون مصدر اختلاف ونقمة، أو أن تكون مثيرة للشك أو مضعفة لليقين، فقد حذرهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الاختلاف.. ومن الشك في القرآن كما في حديث عمرو بن العاص: «نزل القرآن على سبعة أحرف، على أي حرف قرأتم فقد أصبتم، فلا تتماروا فيه؛ فإن المراء فيه كفر» "( [3]).هكذا بانت الحكم البليغة، والعلل المبينة من تعدد القراءات، فهي نعمة كما أرادها منزل الكتاب، وليست نقمة كما صور الزاعمون أنها دليل على التحريف وشاهد على التبديل. إننا إذا نظرنا إلى الأمور التي تتمايز فيها كل قراءة عن أخرى سوف يتضح لنا أن ذلك على ضربين هما: 1. الأصول: وهي المبادئ العامة في طريقة الأداء الصوتية فقط عند كل قارئ ومن يروي عنه من الرواة والنقلة الآخذين منه، فمنهم من يمد بعض الحروف - حروف العلة إذا تلاها همز أو سكون - ومنهم من يقصرها، ومنهم من يرقق بعض الحروف ومنهم من يفخمها، كذا الحال في إدغام بعض الحروف في بعض، والإمالة، والفتح، والسكت على كل ساكن صحيح بعده همزة أو نقلة... إلخ. وعلى هذا الأساس يسير القارئ في القرآن كله لا يتعدى القواعد التي يقرأ بها ولا يحيد عنها، فأي اختلاف وأي تحريف في المعاني والأحكام، ينتج عن مجرد نطق حرف مفخما عند بعض ومرققا عند آخرين؟! وأي اختلاف وأي تحريف يترتب على إمالة حرف، أو فتحه، أو السكت عليه، أو عدم السكت عليه، أو إدغامه فيما بعده أو إظهاره؟!